ما علامات «القلب السليم»؟ وكيف نصلحه إذا فسد؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 133
  • رقم الاستشارة : 4052
08/02/2026

السلام عليكم، وجزاكم الله خيرًا على ما تقدمونه من نفع للمسلمين.

أنا أختكم في الله، وقفت في تدبري للقرآن الكريم عند قول الله -عز وجل- في سورة الشعراء: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

فما هو مفهوم سلامة القلب؟ وهل لهذه السلامة مراتب ودرجات أم أنه إما سليم وإما غير سليم؟

وكيف أعرف وأقيس قلبي هل هو سليم أم لا؟ هل هناك علامات واضحة أو اختبارات معينة؟

وأيضًا: ما الذي يفسد سلامة القلب؟ وما الذي يصلحها؟

أعتذر عن الإطالة، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة 08/02/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أختي الكريمة، وأسأل الله أن يجعلنا عند حسن ظنك، وأن يبارك في حرصك على تدبر كتاب الله؛ وبعد...

 

مفهوم سلامة القلب

 

القلب السليم في اللغة والاصطلاح هو القلب الذي سلم من الآفات والعيوب. وكما قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في تعريفه: «هو الذي سلِمَ من شِرك يعارض التوحيد، ومن بدعة تعارض السنة، ومن شهوة تعارض الأمر، ومن غفلة تعارض الذكر».

 

فهو القلب الذي أخلص وجهته لله وحده، فلم يعد فيه متسع لغيره، حبًّا، وخوفًا، ورجاءً. وهو القلب الذي إذا أقبل على الله لم يلتفت لغيره، وإذا تعامل مع الخلق عاملهم بالله ولله.

 

هل لسلامة القلب مراتب؟

 

نعم بلا شك، فالسلامة ليست درجة واحدة؛ بل هي درجات ومراتب كما هي مراتب الإيمان، والقلوب في هذا ثلاثة أنواع:

 

1- القلب السليم: وهو الذي خلص من كل ما يغضب الله، وهو قلب الأنبياء والصديقين والمقربين والصالحين.

 

2- القلب الميت: وهو الذي لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره؛ بل هو أسير شهواته وهواه.

 

3- القلب المريض: وهذا هو حال كثيرين منا؛ قلب فيه حياة وفيه مرض. فيه محبة الله والإيمان به، وفيه أيضًا ميل للشهوات وحب الدنيا. وهنا تكمن المجاهدة، فبقدر ما تغلبه دواعي الخير تزداد سلامته.

 

كيف تقيسين سلامة قلبك؟

 

للقلب السليم علامات واضحة، يمكنك من خلالها فحص قلبك:

 

- الوحشة من المعصية: هل تشعرين بضيق حقيقي وندم بمجرد وقوعك في هفوة؟ يقول النبي ﷺ: «إذا سرَّتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن» [رواه أحمد].

 

- الإنابة السريعة: القلب السليم كالثوب الأبيض، تؤثر فيه أدنى نقطة سوداء، فيسارع صاحبه لغسلها بالاستغفار.

 

- شدة الشوق إلى الطاعة: هل تجدين في الصلاة راحة؟ وهل يضيق صدرك إذا فاتك وردك من القرآن؟

 

- سلامته تجاه الخلق: هل يحمل قلبك غلًّا أو حسدًا لأحد؟

 

وفي هذا يروى أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة»، فطلع رجل من الأنصار، وتكرر ذلك ثلاث ليالٍ. فتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص ليعرف سره، فلم يجد كثرة صلاة ولا صيام، فسأله، فقال الرجل: «ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه» [رواه أحمد].

 

مفسدات سلامة القلب

 

هناك لصوص يتسللون للقلب فيفسدون سلامته، أجملها العلماء في خمسة:

 

1- فضول الخلطة: كثرة الاجتماع بالناس فيما لا ينفع، مما يستتبع الغيبة والقيل والقال.

 

2- فضول التمني: العيش في أحلام اليقظة والتعلق بالدنيا.

 

3- التعلق بغير الله: وهو أعظم مفسد، أن يظن الإنسان أن سعادته أو رزقه بيد بشر.

 

4- فضول الطعام: كثرة الأكل تورث الخمول وقسوة القلب.

 

5- فضول النوم: الذي يضيع الأعمار ويثقل عن الطاعات.

 

كيف نصلح قلوبنا؟

 

إن إصلاح القلب عملية مستمرة، وأهم وسائلها:

 

- تدبر القرآن الكريم: فهو الشفاء لما في الصدور، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57].

 

- كثرة ذكر الله: فالذِّكر للقلب كالماء للسمك، وقد قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

 

- الدعاء بصدق: فقد كان أكثر دعاء النبي ﷺ: «يا مقلِّب القلوب ثبت قلبي على دينك» [سنن الترمذي].

 

- الإحسان إلى الخلق: فخدمة الناس وتفريج كربهم ترقق القلوب القاسية.

 

- تذكُّر الآخرة: ذِكْر الموت، وزيارة القبور، والتفكر في مآل الإنسان إما إلى الجنة وإما إلى النار، يكسر كبرياء النفس ويصفي القلب.

 

وختامًا أختي الفاضلة، إن طريق القلب السليم لا يُقطع في يوم وليلة؛ بل هو جهاد العمر كله. فلا تقلقي إذا وجدتِ في قلبك بعض الكدر، فالمهم هو الاستمرار في التنقية والمحاولة. اجعلي غايتك أن تقابلي الله وليس في قلبك سواه، وعندها سيهون كل كدٍّ وتعب.

 

أصلح الله قلبك وقلوبنا، وتقبل منك ومنا صالح النيات والأعمال.

 

روابط ذات صلة:

الشعور بانغلاق القلب.. برنامج عملي لفتوحات مضيئة

هل للقلوب ذنوب؟ ولماذا هي أخطر من معاصي الجوارح؟

الرابط المختصر :