لماذا تعكر أفكارنا صفو راحتنا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 6
  • رقم الاستشارة : 5249
04/07/2026

لماذا لا نستمتع في بعض الأحيان بأوقات راحتنا.. هل للعقل دور في هذه الحالة من فقدان هذا الإحساس؟

الإجابة 04/07/2026

أخي الكريم، سؤالكم ذو أهمية وبخاصة ونحن مقبلون على الإجازة الصيفية التي تمتد لأشهر، والبعض يهدرها ولا يستفيد منها أو يستمتع بها، وتجده في غالب الأحيان متعكر المزاج رغم توفر أسباب الراحة والاستمتاع، ولعل هذا ما يطرح تساؤلاً حول دور العقل والأفكار في تنغيص بعض مناطق الراحة؛ فالجسد المسرف في الراحة قد يدفع العقل للتفكير بأقصى طاقته.

 

حــق الراحة

 

أخي الكريم، الراحة مهمة للغاية للبدن والروح والعقل، لكن المشكلة تكمن في الإفراط في ممارسة الراحة، أو تقليلها لأدنى مستوى فيُصاب الشخص بالإجهاد والتعب والانتباه المفرط.

ممارسة الراحة باعتدال يعيد الحيوية الشاملة للإنسان روحًا وجسدًا وعقلاً؛ فالانشغال الدائم والرغبة في إنجاز كل شيء والحصول على كل شيء يضع الإنسان تحت ضغوط دائمة، تفقده نعمة الراحة والاستمتاع بها.

 

تشير الدراسات النفسية والصحية إلى أن هناك تكلفة خفية لقلة الراحة، فالبعض لا يعطي للراحة أهمية أو أولوية في حياته، ومن ثم لا تتوقف الضغوط عن إرهاقه بصفة دائمة، وهذا الإهمال للراحة قد يكون ناتجًا عن كثرة الضغوط والالتزامات، وقد يكون نتاج تصورات خاطئة عن أهمية الراحة ودورها في إعادة الحيوية للإنسان، لذا فإن ضريبة الإهمال قاسية، وينتج عنها التوتر والقلق وسرعة الانفعال والاكتئاب وزيادة الوزن وضعف الذاكرة وتراجع الوظائف الإدراكية، وربما تسببت في أمراض خطيرة للغاية.

 

بعض الناس لا يتقبل فكرة الراحة نفسها، ويظن أنه ما خلق إلا للشغل والعمل والكدح، وهذا تصور خاطئ، فنحن نعمل من أجل أن نعيش، ولا نعيش للعمل، وتصحيح هذا التصور ذو أهمية؛ لأنه يمنح الراحة حقها في الانشغال الذهني لتحقيقها، فليست الراحة ترفًا ولكنها حق للجسد والعقل والروح.

 

تشير دراسات إلى أن العقل والأفكار قد يكونان سببًا في إفقاد الإنسان حق الراحة، فيلح العقل على ضرورة العمل والانشغال، ويصبح مصدر إزعاج يعكر صفو الراحة، حيث يركز الدماغ على الخارج دون أن ينظر في احتياجاته الخاصة؛ بل إن بعض الناس إذا توفرت له فرصة للراحة فإنه يسترجع ذكريات مؤلمة، أو يبحث في خزائن ملابسه وأغراضه القديمة فيبعثرها، وبذلك يضيع وقت راحته، ويصبح عقله مصدرًا لتعبه وإرهاقه، ليتحول هذا الأمر إلى أفكار متطفلة تبدد وقت الراحة.

 

والسؤال المهم هو كيف أدمج الراحة في برنامج حياتي المزدحم؟

 

أخي الكريم، الإجابة على هذا السؤال ترتبط في الأساس بالعقل والتفكير وقدرتهما على إدارة أوقات الفراغ والانشغال بما يحقق سير الحياة المتوازن، ولذا فكل فرد قادر على إنتاج البرنامج الذي يلائمه، ليحقق هذا التوازن المنشود، وننصح بالآتي:

 

· تنظيم النوم: وهذا مدخل مهم للاستفادة من الانشغال والراحة، وبدون إعطاء النوم حقه، سيظل العقل والجسد يعملان بلا توقف، والنوم له سلطانه الذي لا يُقاوم.

 

· وضع حدود للأحلام والتطلعات والرغبات: هذا أمر مهم، فالحلم المتجاوز للقدرات والواقع قد يكون مصدرًا لإرهاق الإنسان، يحرمه من النوم والراحة الجيدة، وقال الفيلسوف أرسطو "إذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم دون بلوغ الشهوة"، وقد التفت الشاعر الكبير "المتنبي" إلى هذا المعنى، فقال:

 

وإذا كانت النفوسُ كبارًا .. تَعِبَت في مُرادِها الأجسامُ

 

· تنظم الاستخدام الرقمي: هذه قضية مهمة؛ لأن الرقمية تؤدي إلى تشتت الانسان وانشغاله وتضييع ساعات النوم والراحة وإبقاء الذهن متيقظًا دائمًا مثل محرك السيارة التي لا تنطفئ حتى وهي متوقفة.

 

· بناء روتين يساعد على إعطاء الراحة حقها: بناء روتين حياتي ينظم أوقات الشغل والانشغال، ويعطيها حقها في البرنامج اليومي للإنسان.

 

موضوعات ذات صلة:

هل بناء العادات مفيد للعقل والإبداع؟

الأفكار المتطفلة.. ما هي؟ وكيف نقاومها؟

الفراغ نتاج المادية والحداثة

كيف نظرت الفلسفة للنوم؟

الرابط المختصر :