الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
48 - رقم الاستشارة : 5364
19/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا شاب في الثالثة والعشرين من عمري، أمتلك مهارات متقدمة في مجالات التصميم البصري، والمونتاج السينمائي، وكتابة السيناريو الإبداعي. التحقت قبل فترة بأحد المحاضن والجمعيات الدعوية رغبةً مني في تسخير موهبتي لخدمة الدين والدفاع عن قيم المجتمع.
لكنني صُدمت بالواقع؛ إذ واجهت أسلوبًا إداريًّا وتربويًّا يعتمد على القوالب الجاهزة والنمطية الجامدة؛ حيث طُلب مني تركيز جهدي بالكامل في تصميم إعلانات تقليدية للمحاضرات، أو توثيق وتصوير الأنشطة الدورية للمركز بشكل نمطي مكرر.
وحين حاولت تقديم أفكار إبداعية لإنتاج أفلام قصيرة مبتكرة أو حملات بصرية تخاطب الشباب بلغة العصر، قُوبِلَت بالرفض والتخوف من الخروج عن المألوف، بل واعتبر بعض المربين حماسي وأفكاري نوعاً من العجب وحب الظهور، مما أصابني بإحباط شديد ونفور، وبدأت أفكر جليًا في اعتزال العمل التطوعي الدعوي والتركيز على العمل التجاري المحض.
كيف ينبغي للمربين والدعاة التعامل مع فئة الموهوبين والمبدعين من الشباب؟ وكيف نوظف طاقاتهم دون تعليب أو إطفاء لجذوة الإبداع في نفوسهم؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الأخ الحبيب، وأهلاً بك وبموهبتك وقلمك وفكرك
المتوقد. ثم إن ما تعرَّضت له من مواقف هو إشكال ميداني يقع فيه بعض المحاضن
والجهات الدعوية التي تغيب عنها مرونة الإدارة والقدرة على استيعاب الفروق الفردية
بين المدعوين والعاملين، واعلم أن شعورك بالألم والضيق ليس دليلاً على رغبتك في
ترك الخير، بل هو ناتج عن شغفك برؤية إتقان حقيقي يخدم دين الله ويوصل رسالته
بأرقى صورة ممكنة؛ فالإبداع يبحث دائمًا عن التميز ويرفض القيود المصطنعة.
إنَّ المنهج
النبوي الرائد قام في أصله على قاعدة "اكتشاف المواهب واستثمار التخصص"،
ولم يكن يضع جميع الصحابة الكرام في قالب واحد، بل كان النبي ﷺ يُشخص عبقرية كل
فرد ويوجهه للثغر الذي يحسن فيه ويُبدع؛ فلما رأى فصاحة حسان بن ثابت وشاعريته
الفذة لم يأمره بترك الشعر، بل قال له: «اهْجُهُمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ»
[رواه البخاري ومسلم]، وجعل شعره سلاحًا دعويًّا وإعلاميًّا قويًّا.
وحين علم أمانة
ودقة زيد بن ثابت في اللغات أمره بتعلم لغة يهود فتعلمها في نصف شهر وصار ترجمان
الوحي. وعين خالد بن الوليد قائدًا للجيوش لخياله العسكري، ومعاذ بن جبل معلمًا
للفقه؛ فهذا التنوع الفذ هو الذي بنى دولة الإسلام وحضارته.
والعمل الدعوي
المعاصر اليوم أحوج ما يكون إلى هذا الفقه النبوي لإعادة استيعاب المبدعين
والموهوبين بدلاً من تطفيشهم وحصرهم في أعمال روتينية تقتل حماسهم؛ فالأفكار
المبدعة هي عصب التأثير في عصر الزخم المعرفي والتقني، والله تعالى يقول في كتابه
الكريم: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ
هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 84]، والشاكلة تشمل الطبيعة، والموهبة،
والتخصص.
ولعلاج هذا الخلل
وتوظيف طاقتك بشكل فعال، ينبغي أن ندرك أن الداعية والمربي الناجح هو الذي يتحول
من دور "الـمُملي والمسيطر" إلى دور "الـمُيسر والموجه"؛
فالشباب الموهوبون يحتاجون إلى مساحات من الحرية والثقة لتجربة أفكارهم، مع وجود
رعاية تربوية تقي قلوبهم من آفات العجب والرياء بالرفق والحوار لا بالقمع والمنع
المجرد.
إن التوازن
مطلوب؛ فلا نترك الموهبة تنفلت وتخرج عن الأطر الشرعية، ولا نكبتها بحجج الخوف
والتقليد؛ فالوسائل الدعوية متجددة وتتسع لكل فكرة مباحة تخدم المقصد الشرعي
الشريف وتحترم ذوق المتلقي وتجذبه نحو فضائل الإيمان والعمل الصالح.
ومن الناحية
التطبيقية والعملية، أدعوك
أولاً: ألا تجعل
من العوائق الإدارية سببًا في حرمان نفسك من أجر الدعوة؛ بل يمكنك الانتقال إلى
"العمل الدعوي المستقل والمبادرات الذاتية" إن ضاقت بك قوالب الجمعيات،
فتؤسس مع ثلة من رفاقك المبدعين فريقاً رقميًّا مستقلاً لإنتاج المحتوى الذي تؤمن
به وتتقنه.
ثانيًا: إذا أردت
إقناع الجهات الدعوية بأفكارك المبتكرة، فلا تكتفِ بالطرح النظري، بل اصنع نموذجًا
مصغرًا تبرز فيه جودة فكرتك وأثرها المتوقع وقدمه لهم كدراسة حالة ناجحة؛ فالواقع
العملي يُبهر ويقنع أكثر من الكلمات.
ثالثاً: على
المحاضن التربوية والمؤسسات تفعيل "وحدات رعاية الموهوبين والمبدعين وتخصيص
ميزانيات مستقلة لمشاريعهم" مع توفير مستشارين شرعيين وفنيين يدعمون الشباب
ويوجهون إنتاجهم ليخرج للناس بجمال فني وأصالة شرعية متوازنة.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• جدد نيتك لله
تعالى في كل عمل فني وتصميم تقدمه، واعلم أن نفاذ الكلمة الطيبة والصورة المعبرة
إلى قلوب الناس يحتاج إلى إخلاص وصدق في الباطن يوازي الإتقان في الظاهر.
• لا تنقطع عن
مجالس العلم والتزكية بحجة الإحباط؛ فالداعية والفنان المبدع يحتاج دومًا لزاد
إيماني يحميه من الجفاف الروحي وتكالب الضغوط.
• تقبل التوجيهات
الشرعية والمقترحات الفنية من أهل الخبرة بصدر رحب، فالتكامل بين عمق الفقه وجمال
الفن هو الذي يصنع الإنتاج الرواد المؤثر.
وأسأل الله
العظيم العلي القدير أن يبارك في موهبتك ويمدك بعونه وتوفيقه، وأن يجعل ريشتك
وفكرك منارات للحق والهدى والجمال، وأن يعيذك من فتن القول والعمل، ويجعلك مباركًا
نافعًا للإسلام والمسلمين حيثما كنت ويتقبل منك صالح السعي.
روابط ذات صلة: