كيف يؤثر الفقر على أنماط التفكير؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 69
  • رقم الاستشارة : 5782
05/09/2026

الفقر يعاني منه مليارات البشر حاليا، وسؤالي هل يؤثر الفقر على العقل وأنماط التفكير الإنساني أم أن الفقر ليس له تأثير في هذا المجال؟

الإجابة 05/09/2026

أخي الكريم، الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لها تأثيرها المباشر وغير المباشر على عقل الإنسان وطريقة تفكيره؛ فالإنسان يتشكل وعيه وتفكير من خلال البيئة والسياقات المختلفة التي يعيش فيها ويتفاعل معها، والفقر له تأثيره العميق في تشكيل وعي وسلوكيات الكثير من البشر.

 

الفقر والعقل

 

أخي الكريم، لا شك أن الفقر قد يكون عاملاً محفزًا لبعض الناس على الجد والاجتهاد وقوة التفكير والتحمل والإبداع والتفوق، لكن يظل هذا العدد قليلاً جدًّا، وحالات ترتبط بقدرات خاصة لدى هؤلاء وطبيعة شخصية يتمتعون بها، لكن تظل الغالبية من الناس يعد الفقر عاملاً معيقًا لتفكيرها ونموها العقلي.

 

الواقع يؤكد أن الفقر ليس في صالح البشر، ففي مؤتمر عُقد في أمستردام في هولندا في مارس عام 2015م، أكد أن "من بين العوامل التي تُغذي الدوامة المُستمرة للفقر، تأثيراته المُثبطة على النمو المعرفي والوظائف التنفيذية والانتباه لدى الأفراد"، ومعنى هذا أن الفقر هو نتاج لنقص معرفي وتراجع في انتباه الأفراد، هو ما يعني أن الدوامة الترابطية بين الفقر والعوامل المثبطة للنمو المعرفي يجب كسرها من خلال القضاء على الفقر لسلامة العقل وجودة التفكير.

 

يتحدث العلماء عن علم أعصاب خاص بالفقر، ويبحثون في تأثير الفقر على دماغ الأطفال، وهو مجال أبحاث اهتمت به عالمة الأعصاب الأمريكية في جامعة بنسلفانيا "مارثا جيه فرح" في إطار أبحاثها حول فرضية "إذا كانت التنشئة في بيئات محرومة تُضعف العمليات المعرفية بالتساوي، أم أن بعض القدرات تتأثر بشكل أكبر من غيرها"، ووجدت هي وفريقها البحثي أن الذاكرة تتأثر بشكل خاص بالحياة في بيئات الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدني، وأن من العوامل التي تؤثر على الذاكرة قدرة الوالدين على الاستجابة وتقديم الدعم في ظل ظروف الفقر الصعبة.

 

تتبعت "مارثا فرح" وفريقها نمو الأطفال طيلة عشرين عامًا وأجروا مقابلات مع الأطفال وأسرهم وفحصوا النتائج، ووجدوا أن "التحفيز المعرفي المكثف في سن مبكرة يُحسّن من نموهم اللغوي، وأن الرعاية الأبوية المكثفة في سن الرابعة والثامنة تُعزز أداء الذاكرة لديهم في المرحلة المتوسطة"، وهذه الرعاية لا يستطيع الكثير من الأسر الفقيرة توفيرها مقارنة بالأسر الأكثر وفرة مادية.

 

ونقضت "فرح" الفرضية السابقة التي تلوم الفقراء في أن حالهم هو من صناعة أيديهم، أي أن الفقير لا يلوم إلا نفسه؛ لأن الدراسات النفسية ودراسات علم الأعصاب تُظهر أن الفقر في السنوات الأولى من الطفولة قد يكون أكثر ضررًا من الفقر في مراحل لاحقة من الطفولة؛ فالفقر في السنوات الخمس الأولى من العمر هي الفترة الأكثر حساسية للتأثيرات الضارة للحرمان الاقتصادي على الدماغ.

 

الفقر والوظائف الإدراكية

 

أخي الكريم، تذهب بعض الدراسات منها دراسة نشرت عام 2013 بعنوان "الفقر يعيق الوظائف الإدراكية" أن الفقراء قد يتمتعون بحكمة عالية في إدارة مواردهم القليلة، حتى يوازنوا بين دخولهم وحاجاتهم، وهذه الموازنة تستهلك الكثير من طاقتهم الذهنية، فلا يتبقى إلا القليل للتنمية المعرفية والذاتية، أي أن القفر يستنزف طاقاتهم الذهنية سعيًا وراء سد احتياجاتهم.

 

وعلى العكس تظهر بعض الدراسات أن المراهقين من الأسر الميسورة للغاية يُظهرون نقاط ضعف خاصة تجاه المشكلات النفسية في مجالات متعددة، أي أن هشاشتهم النفسية أعلى، وقدرتهم على مواجهة التحديات والصعوبات أقل.

 

وختامًا أخي الكريم، الفقر أزمة اقتصادية وإنسانية واجتماعية ومعرفية، والتخلص منه ومن آثاره يتيح عافية شاملة في المجتمع، والمصابون بالفقر قد يكونون ضحايا وليسوا جناة في كثير من الأحيان، وكما يقول الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى: "كل دعوة تحبب الفقر إلى الناس، أو ترضيهم بالدون من المعيشة، أو تقنعهم بالهون في الحياة، أو تصبرهم على قبول البخس والرضا بالدنية، فهي دعوة فاجرة".

 

موضوعات ذات صلة:

هل الفقر مسؤول عن ازدياد الجريمة؟

هل الإحساس بالفقر نقص إمكانات أم توحش رغبات؟

ما هي أخلاق الفقر وتأثيرها على المجتمع؟

التعليقات

الرابط المختصر :