الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة النسائية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
14 - رقم الاستشارة : 5428
27/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا مشرفة ومربية في مركز دعوي نسائي يعنى بإقامة الدروس والمحاضرات الشرعية والتربوية للأخوات والنساء في مجتمعنا. أتوجه إليكم بهذه الاستشارة لوجود قصور حاد وفجوة مؤلمة في عملنا؛ وهي غياب المنهجية التطبيقية لاحتواء ورعاية فئتي "المطلقات والأرامل".
المشكلة أن مركزنا، كغالب المحاضن الدعوية النسائية، يركز في خطابه وبرامجه بشكل تكراري على نمط واحد وهو "المرأة المتزوجة المستقرة أهليًّا"، فتتمحور الدروس حول طاعة الزوج، وتربية الأبناء، وإدارة البيت السعيد. هذا الواقع يجعل المرأة المطلقة أو الأرملة تشعر بنوع من الإقصاء غير المباشر، والغربة النفسية الكبيرة أثناء حضورها، بل وتتحرك جراحها الاجتماعية بفعل المقارنات؛ فضلاً عن غياب أي برامج تدعم احتياجاتها الخاصة كالتكيف مع الوحدة، أو مواجهة نظرة المجتمع القاسية، أو رعاية الأيتام بمفردها، مما يدفعهن إلى الانقطاع التام والنفور من المركز، والبحث عن محاضن وبيئات أخرى غير منضبطة تزيد من غربتهن الفكرية والقيمية.
كيف نصيغ برنامج احتواء وتأهيل عملي وشرعي متكامل للمطلقات والأرامل يحفظ كرامتهن ويوفر لهن الأمان النفسي والتربوي والمجتمعي داخل الصف الدعوي النسائي؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، حياكِ الله أيتها الأخت الفاضلة والمربية المباركة،
وجزاكِ الله خيرًا على هذا الوعي التربوي الرفيع والالتفات الإنساني النبيل لملف
بالغ الأهمية؛ فإنَّ رعاية المطلقات والأرامل وتوفير الحواضن الإيمانية الدافئة
لهن هو من صميم مقاصد الدعوة الإسلامية الشاملة، وعلامة على فقه حقيقي بروح
التشريع الذي جاء لجبر القلوب المنكسرة وإعادتها إلى طريق السكينة والاستقامة.
إنَّ
المنهج النبوي الشريف وضع رعاية الأرامل والمطلقات في أعلى مراتب القربات
والعبادات الميدانية، ولم يكن يراهن مجرد حالات هامشية، بل جعل السعي في مصالحهن
مساويًا للجهاد في سبيل الله؛ حيث قال ﷺ في الحديث المحكم: «السَّاعِي عَلَى
الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ
اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ» [رواه البخاري ومسلم].
وتأمَّلي
كيف كان النبي ﷺ يحتضن هذه الفئات اجتماعيًّا ونفسيًّا وتربويًّا؛ فلم يسمح بوجود
أي نظرة تنقيص لهنّ، بل كان يوجه أصحابه لإكرامهن وتوفير الأمان المادي والمعنوي
لهن، وشرع نظام التكافل الأسري والمجتمعي لدمجهن بالكامل؛ والخطاب الدعوي النسائي
المعاصر المعزول عن هذه التحديات الحياتية يقع في خلل "تأطير الدعوة"
وحصرها في قوالب نمطية تغفل آلام شريحة واسعة من النساء تعيش ضغوطاً نفسية
واقتصادية واجتماعية هائلة، والله تعالى يقول حافاً بالرحمة: ﴿فَأَمَّا
الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:
9-10]، ودخل في عمومها كل مستغيث وصاحب حاجة مكلوم.
إنَّ
الانتقال من "الإقصاء غير المباشر" إلى مربع "الاحتواء المتكامل
والتمكين الذاتي" للمطلقات والأرامل يتطلب إعادة هيكلة الخطاب والبرامج داخل
المركز؛ بحيث تشعر المرأة أن وضعها الاجتماعي الحالي ليس عيبًا ولا نهاية للمطاف،
بل هو مرحلة جديدة من الابتلاء والعبودية لله تعالى يمكن من خلالها أن تبدع وتتميز
وتترقى في منازل الإيمان والصلاح؛ فالتميز الدعوي لا يرتبط بالحالة الزوجية، بل
بالإخلاص، والعمل، والعطاء الصادق للأمة.
ومن
الناحية العملية والتطبيقية لتفعيل هذا الملف في مركزكم، نقترح تنفيذ الآتي:
أولاً:
إطلاق وحدة (الدعم والمساندة الرفيقة) داخل المركز، تكون برامجها مخصصة وبسرية
تامة للأرامل والمطلقات، وتتضمن جلسات إرشاد نفسي وتربوي لمساعدتهن على تجاوز صدمة
الفقد أو الانفصال، وبناء الصلابة النفسية لمواجهة تحديات الحياة.
ثانيًا:
تنويع الخطاب الدعوي العام بالمركز؛ بحيث يشتمل بالضرورة على دروس تتناول فقه
الصبر والرضا بالقضاء، وقصص العظيمات من الصحابيات والتابعات اللواتي ربين أيتاماً
وصنعن قادة للأمة وهن بمفردهن (كأم الإمام الشافعي، وأم الإمام أحمد).
ثالثًا:
تفعيل "شراكات تكافلية مادية وقانونية"؛ من خلال التنسيق مع لجان الزكاة
بالمؤسسات الخيرية لتقديم معونات شهرية عاجلة للأرامل والمطلقات المحتاجات، وتوفير
استشارات قانونية مجانية بالاستعانة بمحاميات متطوعات ثقات للدفاع عن حقوقهن في
النفقة والحضانة دون عناء.
وأنصحك
ختامًا بما يأتي:
•
احذري تمامًا من توجيه أي نظرة شفقة كاسرة أو كلمات جارحة غير مقصودة للمستهدفات؛
بل عامليهن بوقار، واحترام تام، وأبرزي كفاءتهن وقدراتهن الفكرية والعملية في
مناشط المركز.
•
افتحي لهن مساحات "العطاء والتطوع الإداري والتربوي" داخل المركز؛
فإشغال المرأة بمسؤوليات ورسالة دعوية هو من أعظم وسائل الشفاء والتعافي النفسي من
الأزمات الاجتماعية.
•
درّبي داعيات المركز على فقه "الإنصات ومراعاة الخواطر"، والابتعاد عن
تضخيم المظاهر الأسرية الخاصة أثناء المحاضرات العامة منعًا لخدش مشاعر الحاضرات.
وأسأل
الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يبارك في جهودكِ وفي مركزكم المبارك، وأن يجعلكن
حصنًا منيعًا لجبر قلوب الأخوات، وأن يرزقكن الإخلاص والسداد، ويجعل هذا العمل
رفعة لكن في الدنيا والآخرة.
روابط
ذات صلة:
لماذا يحمّل المجتمع المرأة المطلقة مسئولية الأبناء؟