الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
10 - رقم الاستشارة : 4855
23/05/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أود أن أستشيركم في أمر يشغلني: كيف أستطيع اغتنام أيام عشر ذي الحجة بالطاعات مع كوني موظفة وربّة بيت ولدي مسؤوليات يومية كثيرة؟
أشعر أحيانًا أن الوقت لا يساعدني على الإكثار من العبادات؛ لكني أريد أعمالًا يسيرة أستطيع المواظبة عليها وتكون في الوقت نفسه عظيمة الأجر وثقيلة في الميزان.
فما هي الأعمال البسيطة التي تنصحونني بها في هذه الأيام المباركة؟
وكيف أستطيع أن أوازن بين واجباتي في البيت والعمل وبين التقرب إلى الله دون شعور بالتقصير أو الضغط؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته..
مرحبًا
بك أختنا الكريمة، وأشكرك على تواصلك معنا، وعلى وحرصك على اغتنام مواسم الخيرات
رغم أعبائك الكثيرة. أسأل الله العلي القدير أن يبارك في وقتك وجهدك، وأن يعينك
على طاعته، ويجعل بيتك وعملك شاهدًا لك لا عليك، وأن يبلغك عشر ذي الحجة وهو راضٍ
عنك، متقبلًا منك، اللهم آمين، وبعد..
فإن
شعورك بالقلق والخوف من فوات أجر الأعمال الصالحة بسبب انشغالك بمسؤوليات البيت
والعمل هو أمارة خير، ودليل على حياة قلبك وتعظيمه لشعائر الله.
وأطمئنك
-أختي الفاضلة- بأن الإسلام دين يراعي أحوال البشر، ومن فضل الله علينا أن العبد
بصدق نيته قد يبلغ منازل القائمين والصائمين وهو على فراشه، أو في مقر عمله.
لقد
جعل الله مواسم الخيرات محطات للتزود، ولم يجعلها عبئًا يرهق المسلم ويشعره
بالتقصير؛ بل فتح فيها أبوابًا واسعة للخير تناسب الصغير والكبير، والصحيح
والمريض، والمتفرغ والمشغول.
أعمال
يسيرة بأجور جليلة
بما
أن وقتك مضغوط، فسأنصحك بأعمال لا تستهلك وقتًا، ولا تتطلب تفرغًا؛ لكن أجرها عند
الله كالجبال، ومنها:
1-
ذِكر الله:
إن
الذِّكر هو العبادة الوحيدة التي لا تحتاج إلى وقت محدد، ولا إلى مكان مخصص، ولا
حتى إلى طهارة، فيمكنك التكبير والتسبيح والتهليل والتحميد أثناء ركوب الحافلة، أو
قيادة السيارة، أو خلال غسل الأطباق والطبخ وترتيب المنزل... إلخ.
وقد
قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28].
وقال ﷺ: «ما مِن أيَّامٍ أعظَمُ عِندَ اللهِ ولا أحَبُّ إليه مِن العَمَلِ فيهنَّ
مِن هذه الأيَّامِ العَشرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ
وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ» [رواه أحمد]. وأشهر الصيغ: «الله
أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». فليكن
لسانك دائمًا رطبًا بهذا الذكر.
وقد
قال ﷺ: «كَلِمَتَانِ
خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى
الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ»
[رواه البخاري].
2-
صيام يوم عرفة على الأقل
إذا
كان جهد الوظيفة والمنزل يمنعك من صيام التسع كاملة، فلا تفوِّتي أبدًا صيام يوم
عرفة، فهو فرصة ذهبية لا تعوض؛ حيث قال رسول الله ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ
عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ
وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» [رواه مسلم]. فبصيام هذا اليوم المبارك تنالين
مغفرة ذنوب عامين كاملين.
3-
الصدقة اليومية
يمكنك
التصدق بمبلغ يوميًّا على قدر طاقتك ووسعك، ولو كان قليلًا، فالنبي ﷺ يقول:
«أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [متفق عليه]،
فتحرِّي الفقراء والمساكين ووسعي عليهم في هذه الأيام الفاضلة، وحبذا لو كانوا من
أقربائك أو جيرانك؛ يقول النبي ﷺ: «الصَّدقةُ على المسْكينِ صدقةٌ، وعلى ذي
القرابةِ اثنتان: صدقةٌ وصلةٌ» [رواه الترمذي].
4-
تلاوة ما تيسَّر من القرآن
اجعلي
لنفسك وِردًا ثابتًا من القرآن حسب طاقتك، ولو كان ربعًا واحدًا بعد كل صلاة
مكتوبة، لا يستغرق سوى دقائق قليلة. وفي نهاية اليوم ستجدين نفسك قرأتِ قدرًا
جيدًا دون أن تشعري بضغط الوقت.
5-
صلاة الضحى:
ركعتان
فقط بعد شروق الشمس بنصف ساعة وحتى قبل الظهر، تجزئ صدقةً عن كل مفصل من مفاصل
جسدك. يقول النبي ﷺ: «
يُصبِحُ على كُلِّ سُلامى مِن أحَدِكُم صَدَقةٌ؛ فكُلُّ تَسبيحةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ
تَحميدةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تَهليلةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تَكبيرةٍ صَدَقةٌ، وأمرٌ
بالمَعروفِ صَدَقةٌ، ونَهيٌ عَنِ المُنكَرِ صَدَقةٌ، ويُجزِئُ مِن ذلك رَكعَتانِ
يَركَعُهما مِنَ الضُّحى» [رواه مسلم].
الموازنة
بين الواجبات دون ضغط نفسي
أختي
الفاضلة، كي تستطيعي الموازنة بين واجباتك في البيت والعمل وبين التقرُّب إلى
الله -عز وجل- دون شعور بالتقصير أو الضغط النفسي، أنصحك بالتالي:
1-
تحويل العادات إلى عبادات:
أول
وأعظم خطوة للتخلص من هذا الشعور السلبي هو الإدراك الصحيح لمفهوم العبادة، وتحويل
العادات إلى عبادات بإعادة صياغة النية. إنك -أختي الكريمة- لست بعيدة عن العبادة
وأنت تطبخين، أو تنظفين منزلك، أو تؤدين مهام عملك الوظيفي؛ بل أنت في قلب العبادة
إذا استحضرت النوايا لله، واحتسبت الأجر عنده سبحانه.
يقول
النبي ﷺ: «إِنَّمَا
الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [متفق عليه].
وكان الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول: «إني لأحتسب نومتي كما
أحتسب قومتي» [رواه البخاري]. أي أنه يرجو الثواب من الله في نومه لتقوية جسده،
كما يرجوه في صلاته وقيامه.
فعندما
تخرجين لعملك، انوي بكسبك عفة نفسك ومساندة أسرتك. وعندما تقفين في المطبخ لإعداد
الطعام، انوي به إفطار الصائمين في أسرتك وتقويتهم على طاعة الله.
2-
تقديم الفرائض والمحافظة عليها:
اعلمي
يا أختي أن المحافظة على الفرائض وحدها، هي أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله في
هذه الأيام، وهذا لا يعني ترك النوافل، فهي زيادة في الأجر ورفعة في المنزلة، ولكن
لا نقلل من شأن إقامة الفرائض في أوقاتها، فالله -تبارك وتعالى- يقول في الحديث
القدسي، جامعًا الفضلين والحسنيين للتيسير على عباده: «ما تقرَّبَ إليَّ عبدي
بشيءٍ أفضل من أداء ما افترضتُ عليْهِ، وما يزالُ يتقرَّبُ عبدي إليَّ بالنَّوافلِ
حتَّى أحبَّهُ، فإذا أحببتُهُ كنتُ سمعَهُ الَّذي يسمعُ بِهِ، وبصرَهُ الَّذي
يبصرُ بِهِ، ويدَهُ الَّتي يبطشُ بِها، ولئن سألني لأعطينَّهُ، ولئن دعاني
لأجيبنه، ولئن استعاذَني لأعيذنَّهُ» [رواه البخاري]. فحافظي على الفرائض، وخذي من
النوافل بقدر ما تستطيعين، والنبي ﷺ يقول:
«ما نَهَيتُكُم عنه فاجتَنِبوه، وما أمَرتُكُم به فافعَلوا منه ما
استَطَعتُم» [رواه مسلم].
3-
عبادة التَّرْك والاجتناب:
الحديث
الأخير في الفقرة السابقة يفتح لنا بابًا آخر للرحمات والنفحات. فقد يظن كثيرون أن
العبادة تقتصر على «الفعل» كالصلاة والصيام والذِّكر، ويغفلون عن عبادة جليلة
القدر لا تتطلب وقتًا مستقطعًا ولا جهدًا بدنيًّا؛ بل تتطلب عزيمة قلبية صادقة،
وهي ما يسميها العلماء «عبادة التَّرْك والاجتناب»؛ ونقصد بها كف الجوارح عن معصية
الله تعالى، والندم والتوبة من الذنوب في هذه الأيام الفاضلة.
إن
إمساك لسانك عن الغيبة والنميمة وفضول الكلام في بيئة العمل، وكف بصرك عما لا يحل
على منصات التواصل، وضبط نفسك عن الغضب والضجر في بيتك عند التعب، هو في ذاته
عبادة عظيمة لا تقل شأنًا عن عبادات الفعل. فالامتناع عن الحرام تعظيمًا لهذه
العشر المباركة هو عين التقوى؛ كما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ
شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. وقال سبحانه:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ
الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40 و41].
وقد
بيَّن لنا النبي ﷺ أن
ترك الشر وكف الأذى هو صدقة يمنحها المرء لنفسه دون أن يدفع درهمًا واحدًا، فبعدما
سأله أبو ذر رضي الله عنه عن أفضل الأعمال، وأرشده ﷺ إلى بعضها،
سأله أبو ذر: يا رَسولَ اللهِ، أرَأيتَ إن ضَعُفتُ عن بَعضِ العَمَلِ؟ فقال له ﷺ: «تَكُفُّ
شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ» [رواه مسلم].
فاجعلي
من هذه العشر محطة لتخلية قلبك وجوارحك من الذنوب، لتتهيأ لنور الطاعات، واعلمي أن
حبس النفس عن الهوى عمل يبدو يسيرًا؛ لكنه يزن الجبال في ميزان الحسنات عند رب
العالمين.
4-
استثمار الأوقات البينية:
الأوقات
البينية هي الدقائق الضائعة بين المهام؛ مثل وقت انتظار الحافلة، أو وقت نضج
الطعام على النار، أو دقائق الاستراحة في العمل... إلخ. فاستثمري هذا الوقت في
الاستغفار والدعاء والذِّكر.
وختامًا
أختي الفاضلة، إن الله -سبحانه وتعالى- مُطَّلع على نيتك، وعالم بحجم جهدك وتضحيتك
من أجل إسعاد أسرتك والقيام بواجباتك. فلا تقارني نفسك بشخص متفرغ يملك الوقت كله،
فالعبرة ليست بكثرة العمل؛ بل ببركته واستمراره والإخلاص فيه.
أقبلي
على عشر ذي الحجة بقلب مطمئن، ولسان ذاكر، ونية صالحة في كل حركة وسكون. وتذكَّري
دائمًا أن تبسمك في وجه أبنائك وزوجك صدقة، وصبرك على عناء العمل جهاد، ودعاءك
لأسرتك عبادة.
تقبل
الله منك ومنا صالح الأعمال، وبارك لك في عمرك وذريتك، وجعلك من عتقاء هذه الأيام
المباركة من النار. ولا تنسينا في دعائك.
روابط
ذات صلة:
كيف أوازن بين واجبات البيت واغتنام عشر ذي الحجة؟
ما الأعمال الصالحة المستحبَّة في عَشر ذي الحجة؟
برنامج عملي للأسرة في ذي الحجة
كيف أوازن بين واجبات البيت واغتنام عشر ذي الحجة؟