الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
60 - رقم الاستشارة : 4671
25/04/2026
أحيانًا أسمع دروس أو خطب دينية وأحس نبرتها مرَّة حادة، وفيها تخويف بزيادة من النار والعقوبة.. لدرجة إني أطلع منها وأنا خايف وضايق صدري بدل ما أكون محب ومقبل على الله، وأحس بالذنب يطغى على الرجاء والأمل.
هل في قلبي مشكلة أو ضعف لأني أنفر من هذا الأسلوب الشديد؟
وكيف أقدر أوازن في قلبي بين الخوف والرجاء؟
وهل عادي إني أدور على الخطاب اللين والسمح، ولا بيعتبروني الناس أدور بس اللي يريحني؟
مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وينير بصيرتك، ويملأ قلبك طمأنينة وحبًّا وإقبالًا عليه سبحانه، وبعد...
فإن الشعور الذي وصفتَه ليس مستنكرًا؛ بل هو دليل على فطرة سليمة تبحث عن السكينة في رحاب الله. فالدين في جوهره هو صلة محبة بالله جل وعلا، ورسوله ﷺ، والخطاب الديني (الدعوة بفروعها) إنما وُجد ليكون جسرًا يربط القلوب بخالقها، لا سدًّا يمنعها عنه بمشاعر اليأس أو الضيق. فالحب هو محرك أساسي للعبادة والطاعة.
هل في قلبك مشكلة؟
لا يا أخي، ليس في قلبك مشكلة بإذن الله؛ بل إن نفورك من الغلظة والشدة المبالغ فيها هو استجابة فطرية تتوافق مع هدي النبي ﷺ. فقد كان رسول الله ﷺ أحرص الناس على قلوب الناس، وكان يغضب إذا رأى أحدًا يُنفِّر الناس من العبادة بتطويله أو تشديده.
تذكَّر قول الله -تعالى- لنبيه الكريم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [سورة آل عمران: 159]. فإذا كان الناس سينفضون من حول خير البشر ﷺ لو كان فظًّا، فكيف بمن هو دونه؟!
ويقول النبي ﷺ: «إنَّ هذا الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقارِبُوا وأَبْشِرُوا» [صحيح البخاري]. لاحظ كيف ختم الحديث بكلمة «أبشروا»؛ ليزرع الأمل والرجاء في النفوس، لا اليأس والخوف.
كيف توازن في قلبك بين الخوف والرجاء؟
العلماء يشبِّهون الإيمان بطائر، رأسه المحبة، وجناحاه الخوف والرجاء. فإذا استوى الجناحان طار الطائر وارتفع، وإذا نقص أحدهما وقع خلل في طيرانه.
فالرجاء وحسن الظن بالله هو المحرك الذي يجعلك تستمتع بالطاعة. فعندما تقرأ ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الحجر: 49]، يمتلئ قلبك يقينًا بأن رحمة الله أوسع من ذنوبك.
أما الخوف المحمود فهو الذي يدفعك للعمل الصالح، ويمنعك من الوقوع في المعصية، وليس الخوف الذي يؤدي للإحباط والضيق.
يُروى أن أعرابيًّا سمع قارئًا يقرأ قول الله: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [سورة الانفطار: 13 و14]، فسأل: فأين رحمة الله؟، فقرأ القارئ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأعراف: 156]، فهدأ روعه وطابت نفسه.
فالموازنة تكون بتذكُّر الرحمة حين تشعر باليأس، وتذكُّر العدل والوقوف بين يدي الله حين تغرُّك نفسك بالمعصية.
هل البحث عن الخطاب اللين يعد طلبًا للراحة فقط؟
أبدًا؛ بل هو بحث عن المنهج النبوي الأصيل. النبي ﷺ كان إذا خُيِّر بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. والبحث عن الخطاب السمح هو اتباع لوصيته ﷺ حين قال لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري حين بعثهما إلى اليمن: «يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» [متفق عليه].
لكن مع ذلك، هناك فرق كبير بين «تيسير الخطاب» وبين «تمييع الدين»:
فالتمييع هو التخلي عن الثوابت وإسقاط الواجبات بحجة التيسير.
أما التيسير فهو عرض الحقائق الدينية بأسلوب رقيق يفتح أبواب الأمل، ويحبب الناس في ربهم، ويجعلهم يُقبلون على الصلاة والصيام بشوق، لا بخوف مجرَّد.
لذا، من حقك تمامًا -بل ومن مصلحة قلبك- أن تتابع من يذكِّرك برحمة الله، ومن يشرح لك مقاصد الشريعة بالترغيب، ومن يجعل نبرته هادئة. فهذا الأسلوب هو الذي يربي التقوى الحقيقية النابعة من تعظيم الله وحبه.
وختامًا أخي الكريم، اجعل قلبك معلقًا بالله لا بالأشخاص ولا بنبراتهم. وتذكَّر أن الله أرحم بك من أمك، وأنه -سبحانه- يفرح بتوبتك وإقبالك عليه أكثر مما تتخيل.
فإذا أحسست بضيق من درس معين، أو داعية معين، فابحث عن نبع آخر يروي ظمأ قلبك باللين والرفق، ففي ديننا سعة ورحمة تغمر الكون.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واجعلنا ممن يحبك ويحب من يحبك، وممن يقبل عليك بشوق ورجاء. اللهم اشرح صدورنا بذِكرك، وأبعد عنا اليأس والقنوط، واجعلنا هداة مهتدين، مبشرين لا منفرين، ميسِّرين لا معسِّرين.
روابط ذات صلة:
هل يكفي «حب الله» لعبادته؟ أم لا بد من الخوف والرجاء؟