الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
180 - رقم الاستشارة : 3697
28/12/2025
بدأت في السنوات الأخيرة أنشط في الدعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أقدّم محتوى دينيًّا معتدلًا وأحاول تقريب الدين إلى الناس بلغة معاصرة. لكنِّي فوجئت بكمٍّ كبير من التعليقات السلبية، والاتهامات، بل والتجريح أحيـانًا، حتى من بعض الإخوة الدعاة. صرت أشعر أن كل كلمة أقولها ستُفسّـر ضدي، وأنني مهما حاولت الإخلاص، هناك من يشكك أو يسخر. فكيف أتعامل مع هذا الواقع دون أن أنكسر أو أقع في الغضب والدفاع المفرط؟
الحمد لله والصلاة والسلام على سيد الناس وإمام الدعاة وقائد الهُداة، وبعد:
فإنّ أول ما يجب أن تعلمه -أيها المبارك- أن النقد سنة ماضية لا يسلم منها أحد، بل هو جزء من طريق الدعوة إلى الله. كل من تصدى لهداية الناس سيُصاب بسِهام النقد قبل أن يقطف ثمار القبول.
النبي خير قدوة
وتأمَّل نبيك ﷺ وهو أطهر الخلق: قيل عنه ساحر، وكاهن، ومجنون، ومع ذلك كان يردّ بالحكمة، ويصبر على الأذى، ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون). فما بالك بمن دونه من الدعاة والمصلحين؟
خطوات واقعية لمواجهة النقد
ولكي تبقى متوازنًا وقويًّا أمام هذا الواقع، إليك خطوات واقعية مدروسة:
1. افصل بين النقد والمكانة الشخصية: حين يهاجمك أحد، لا تجعل نفسك مركز الموقف. النقد غالبًا لا يعبّر عن حقيقتك بل عن رؤية الآخر المحدودة. كثير من الناس يهاجمون لأنهم لم يفهموا، لا لأنهم يبغضونك.. مثلاً: عندما انتقد بعض الناس الإمام الشافعي في مسألة فقهية قال: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".. بهذا الاتزان، حوّل الخلاف إلى ساحة فكر لا ساحة خصومة.
2. حلّل نوع النقد: فليس كل نقد يستحق الرد، فهناك نقد نافع، وآخر غاضب، وثالث عبثي:
* النقد النافع هو ما يصدر عن ناصح يعرفك ويحب لك الخير، فاستمع له بإصغاء، فقد يُصلح الله به عملك.
* النقد الغاضب يأتي غالبًا من مشاعر آنية، فتعامل معه بالصبر والهدوء، ولا تجعله يؤثر على روحك.
* النقد العبثي (كالتنمر والسخرية) تجاهله تمامًا؛ لأن الرد عليه يُغذّيه ويُطيل عمره.
3. تذكّر قاعدة ميزان الحق لا ميزان الهوى: قيمة الكلمة ليست في عدد الإعجابات أو المشاهدات، بل في قربها من الحق، وقد يهاجمك الناس لأنك قلت الصواب في زمن يحب الباطل، وقد يُصفّقون لك إن قلت ما يوافق أهواءهم. لذلك، لا تجعل رضا الناس بوصلتك، بل اجعل رضا الله مقياسك الدائم.
4. خذ بالأسباب المهنية: أحيانًا النقد يكون بسبب أسلوب أو طريقة عرض. راجع أسلوبك، لا لتُرضي الناس، بل لتتأكد أنك قدّمت الحق بأحسن أسلوب. مثلًا: قد يكون أسلوبك حادًّا دون قصد، أو اللغة المستخدمة غير دقيقة، فعدّل ذلك بلطف دون أن تتنازل عن المبدأ.
5. اكتسب مهارة الصمت المدروس: وستجد لذلك لذة وفوائد كثيرة، وسترى، واعلم بأنّه ليس كل نقد يحتاج ردًّا. هناك مواقف الرد فيها يُشعل النار، بينما الصمت يطفئها.. يُروى أن أحد الحكماء سُبَّ علنًا، فابتسم، فقال له صاحبه: لماذا لا ترد؟ قال: الكلب إذا نبح لا أنبح مثله، بل أواصل الطريق، واختيار وقت الرد من الحكمة الدعوية.
6. استفد من التجارب الواقعية: انظر إلى دعاة معاصرين نجحوا رغم النقد، كمن يقدّمون برامج توعوية عبر الإنترنت بأسلوب راقٍ. كثير منهم بُدئوا بهجوم شديد، لكنهم استمروا بثقة، ومع الوقت صار النقد دافعًا لا عائقًا. بل أحيانًا يكون أشد الناقدين اليوم من أكثر المؤيدين غدًا حين يتضح المقصود.
7. وازن بين القلب والعقل: احذر أن تملأ قلبك بالمرارة، فالداعية إذا امتلأ صدره حقدًا فقد لذّته في الدعوة، واغفر لمن أساء، وقل: اللهم أرني الحق حقًّا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلًا وارزقني اجتنابه.. ثم امضِ في طريقك، فالله وحده يعلم نيتك، وهو كفيل أن يُظهر الحق ولو بعد حين.
أيها المبارك: إن الدعوة في العصـر الرقمي جعلت الداعية في مواجهة العالَم كله، فصار عرضة للتقييم في كل لحظة، ولكن هذا أيضًا فتح بابًا للعطاء الواسع لا يُقاس، فكن داعيةً ذا صدرٍ رحب، وعقلٍ ناضج، وقلبٍ محب، فذلك هو زاد الداعية في زمان الضجيج.
وأسأل الله أن يُلهمك الخير والصواب والرشاد حيث كان..
روابط ذات صلة:
كيف أتعامل مع الانتقادات اللاذعة في طريق الدعوة؟
كيف أتخلص من حساسيتي تجاه النقد؟
التعامل مع النقد الإعلامي والمجتمعي للدعوة دون ضعف أو تصادم