الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : المراهقون
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 5660
22/08/2026
أخي عمره ١٥ سنة، كان قريبًا مني جدًّا، وكان يحكي لي تفاصيل يومه، لكن منذ فترة أصبح يجلس وحده كثيرًا، وإذا سألته «مالك؟» يقول «مفيش».
أحيانًا يدخل غرفته ويغلق الباب، ولا يريد أن يشاركنا تفاصيل حياته كما كان يفعل. والدتي ترى أنه أصبح متغيرًا ومتمردًا، ووالدي يغضب عندما يرفض الكلام.. وأنا محتارة: هل نتركه أم نحاول الاقتراب منه؟
يا ابنتي، ما تصفينه قد يكون جزءًا طبيعيًّا من مرحلة المراهقة، لكنه يحتاج
إلى التعامل معه بحكمة؛ لأن المراهق في هذه المرحلة يعيش تغيرات نفسية واجتماعية
كبيرة.
في عمر ١٥ عامًا يبدأ الشاب في بناء إحساس أكثر وضوحًا بذاته، ويصبح
احتياجه إلى الاستقلالية أكبر.
وهذا لا يعني أنه لم يعد يحب أسرته، بل يعني أنه لم يعد يريد أن يشعر بأن
الأسرة تعرف كل شيء عنه أو تدير كل تفاصيله.
وهنا يقع بعض الآباء في خطأ شائع: كلما شعروا أن المراهق يبتعد، زادوا
الاقتراب بصورة ضاغطة، فيزداد هو ابتعادًا فيزدادون قلقًا، فتتكون دائرة من
الاقتراب والانسحاب Pursuit-Withdrawal Cycle.
الحل ليس أن نتركه تمامًا، ولا أن نحاصره بالأسئلة، نحن نحتاج إلى «قرب
هادئ».
بدل أن تسأليه كل يوم:
«مالك؟»
«في حاجة حصلت؟»
«إنت متغير ليه؟»
«بتخبي علينا إيه؟»
جربي أن تفتحي أبوابًا غير مباشرة للتواصل.
اجلسي بجواره أثناء مشاهدة شيء يحبه، أو اخرجي معه في مشوار بسيط، أو
اسأليه عن رأيه في موضوع يخصك أنتِ.
المراهق أحيانًا يتحدث عندما لا يشعر أن الحديث «جلسة استجواب».
وإذا قال: «مفيش حاجة»، فلا يعني ذلك أن عليك الانسحاب نهائيًّا. بل يمكنك
أن تقولي:
«تمام، أنا
مش هضغط عليك، لكن لو في يوم حبيت تتكلم أنا موجودة».
هذه الجملة البسيطة تبني ما يسمى الأمان العاطفي Emotional Safety.
كما يجب أن تحترموا بعض خصوصيته، مثل عدم فتح أغراضه أو تفتيش كل تفاصيل
حياته بلا سبب حقيقي، مع وجود حدود أسرية واضحة فيما يتعلق بالأمان والمسؤولية.
فالخصوصية ليست إهمالًا، كما أن الرقابة ليست بالضرورة رعاية.
والأهم ألا تستخدموا السخرية. عبارات مثل «بقى راجل ومش عايز يكلمنا»، أو
«فاكر نفسك كبير؟» قد تبدو عابرة، لكنها قد تغلق باب التواصل معه.
كذلك لا تجعلوا كل حوار معه يتحول إلى نصيحة، أحيانًا يحتاج المراهق إلى أن
يشعر بأن أسرته تسمعه، لا أنها تنتظر دوره لتخبره بما يجب أن يفعل.
كما أنه من المفيد استخدام الاستماع النشط Active Listening:
«أنا فاهم إن الموضوع مضايقك».
«واضح إنك محتاج تفكر شوية».
«تحب أسمعك بس ولا عايز رأيي؟»
السؤال الأخير مهم جدًا؛ لأنه يعطيه إحساسًا بأن له دورًا في تحديد طبيعة
الحوار.
وفي المقابل، إذا لاحظتم تغيرات شديدة ومستمرة مثل الانسحاب الكامل، أو
تراجع حاد في الدراسة، أو فقدان الاهتمام بأشياء كان يحبها، أو اضطراب واضح في
النوم أو السلوك، فهنا ينبغي ألا نكتفي بعبارة «دي مراهقة»، بل نحتاج إلى تقييم
أعمق لدى مختص.
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾.. واللين هنا لا
يعني التسيب، وإنما أن تكون علاقتنا بالأبناء قائمة على الرحمة قبل السيطرة.
همسة أخيرة:
يا ابنتي، أحيانًا يكون أفضل ما نقدمه للمراهق هو أن يشعر أننا موجودون دون
أن نطارده. اتركي له مساحة يتنفس فيها، لكن لا تتركي يده.
اجعلي الباب مفتوحًا، والصوت هادئًا، والرسالة ثابتة: «أنا أحترم مساحتك،
لكنك لست وحدك».
روابط ذات صلة: