كلما اقترب عقد الزواج شعرت برهبة!!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : الشباب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 8
  • رقم الاستشارة : 5305
11/07/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا فتاة في السادسة والعشرين من عمري، تقدم لخطبتي شاب منذ عدة أشهر، وبعد فترة من السؤال عنه تبين أنه صاحب دين وخلق، ويشهد له الجميع بحسن السيرة والسمعة، كما أنه محترم في حديثه معي، ولا يتجاوز حدوده الشرعية، ويعامل والديه بإحسان، وهذا كله يجعلني أطمئن إليه.

لكن المشكلة ليست فيه، بل في داخلي.

كلما اقترب موعد عقد الزواج، أشعر بخوف شديد، وأبدأ في التفكير بطريقة مرهقة، فأقول لنفسي: ماذا لو اكتشفت بعد الزواج أنه مختلف؟ ماذا لو تغيرت معاملته؟ ماذا لو لم أستطع التأقلم مع حياته أو أسرته؟ ماذا لو لم أشعر بالسعادة معه؟ بل أحيانًا أفكر: ماذا لو كان رفضي له الآن أرحم من الندم بعد الزواج؟

وصل بي الأمر إلى أنني أصبحت أفتش عن أي عيب صغير فيه حتى أقنع نفسي بالابتعاد، ثم أعود فأشعر بالذنب؛ لأنه لم يصدر منه ما يستحق ذلك.

والدتي تقول إن ما أشعر به طبيعي، بينما ترى إحدى صديقاتي أن التردد دليل على أنني غير مقتنعة به.

أنا بالفعل محتارة، ولا أريد أن أظلم شابًا صالحًا بسبب مخاوفي، ولا أريد أيضًا أن أظلم نفسي بقرار متسرع.

فكيف أعرف: هل هذا مجرد خوف طبيعي من الزواج، أم أنه رسالة من داخلي بأن هذا الشخص ليس مناسبًا لي؟

الإجابة 11/07/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

 

ابنتي الكريمة..

 

أشكرك أولًا على صدقك مع نفسك، فمجرد اعترافك بما يدور داخلك يدل على قدر من الوعي والانضباط الانفعالي، وهذا يبشر بأنك لا تبحثين عن زواج شكلي، وإنما عن استقرار حقيقي.

 

وأود أن أطمئنك منذ البداية إلى أن ما تعيشينه لا يعني بالضرورة أنك لا تريدين الزواج، ولا أنه دليل على عدم صلاحية هذا الشاب، بل قد يكون انعكاسًا طبيعيًّا لأن الزواج من أكبر القرارات المصيرية في حياة الإنسان.

 

لكن حتى لا يتحول القلق الطبيعي إلى عائق، دعينا نفهم ما يحدث داخلك.

 

أولًا: هل الخوف قبل الزواج أمر طبيعي؟

 

الإجابة: نعم.. إذا كان في حدوده الطبيعية.

 

في علم النفس يسمى هذا Normal Anxiety، وهو القلق الطبيعي الذي يدفع الإنسان إلى التفكير والتروي قبل اتخاذ قرار مهم، دون أن يشل قدرته على اتخاذ القرار.

 

أما إذا تحول القلق إلى دوامة لا تنتهي من الأسئلة، وأصبح العقل يصنع احتمالات سلبية بلا أدلة، فهنا ندخل فيما يسمى Catastrophic Thinking، أي التفكير الكارثي، حيث يتعامل العقل مع أسوأ احتمال وكأنه الحقيقة الوحيدة المنتظرة.

 

ومن أمثلته قولك:

 

ماذا لو تغير؟

 

ماذا لو ندمت؟

 

ماذا لو لم أستطع التأقلم؟

 

لاحظي أن كل هذه الأسئلة تبدأ بـ "ماذا لو"، وهي ليست حقائق، وإنما احتمالات قد تحدث وقد لا تحدث.

 

ومن غير العدل أن نحاكم إنسانًا على جرائم لم يرتكبها، أو أن نحكم على مستقبل لم يبدأ بعد.

 

ثانيًا: لماذا بدأ عقلك يبحث عن عيوبه؟

 

هذه نقطة مهمة جدًّا.

 

عندما يخاف الإنسان من اتخاذ قرار، يبدأ العقل في البحث عن مبررات تؤيد هذا الخوف، وهو ما يسمى في علم النفس Confirmation Bias، أي التحيز التأكيدي.

 

فيصبح العقل كأنه محامٍ يدافع عن مخاوفه، فيلتقط أي ملاحظة صغيرة، ويكبرها حتى يشعر أنه وجد سببًا مقنعًا للتراجع.

 

لذلك قد تجدين نفسك تركّزين على تفصيلة بسيطة، وتتجاهلين عشرات الصفات الإيجابية التي شهد بها الناس.

 

ثالثًا: لا تبحثي عن الزوج الكامل...

 

فالزوج الكامل غير موجود، كما أن الزوجة الكاملة غير موجودة.

 

الزواج الناجح لا يقوم على الكمال، وإنما يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية:

 

١- التوافق.. في المبادئ والقيم وأسلوب الحياة.

 

٢- النضج الانفعالي.. أي القدرة على الحوار، والاعتذار، وتحمل المسؤولية.

 

٣- الالتزام.. وهو الرغبة الصادقة في بناء الأسرة والمحافظة عليها.

 

إذا وجدتِ هذه الأسس، فلا تجعلي انتظار الكمال يحرمك من الخير.

 

وقد قال النبي ﷺ: «إن أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه...». فلم يقل: إذا كان بلا عيوب؛ لأن البشر جميعًا يخطئون.

 

رابعًا: هل يكفي الحب وحده؟

 

كثير من الفتيات يعتقدن أن الزواج لا بد أن تسبقه مشاعر جياشة، وهذا تصور غير دقيق.

 

فالاحترام، والرحمة، وحسن المعاملة، والثقة، قد تسبق الحب، ثم ينمو الحب بعد الزواج مع حسن العشرة.

 

قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. فتأملي قوله: "وجعل"، أي أن المودة تُبنى وتُنمى مع الأيام، وليست شرطًا أن تبلغ ذروتها قبل الزواج.

 

وسوف أهديكِ هذه الروشتة التربوية والنفسية لعلها تساعدك على اجتياز مخاوفك:

 

١- اكتبي مخاوفك على الورق..

 

اكتبي كل خوف، ثم اسألي نفسك: هل هو حقيقة أم مجرد احتمال؟ وما الدليل عليه؟

 

٢- فرقي بين شخصية الخاطب وفكرة الزواج..

 

فأحيانًا لا نخاف من الشخص، وإنما نخاف من المسؤولية والتغيير، فنخلط بين الأمرين.

 

٣- لا تستشيري أصحاب التجارب السلبية فقط..

 

فمن عاش تجربة مؤلمة قد ينقل لك خوفه دون قصد، بينما الواقع مليء أيضًا بالنماذج الناجحة.

 

٤- أكثري من الاستخارة والدعاء..

 

فمن أعظم أسباب الطمأنينة أن يفوض العبد أمره إلى الله، ويوقن أن الخير فيما يختاره سبحانه.

 

٥- وانتبهي ألا تتخذي قرارًا أثناء ذروة القلق..

 

فالعقل القلق لا يرى الصورة كاملة، بل يركز على المخاطر فقط.

 

٦- ولا بد أن تمنحي نفسك فرصة للتعرف الشرعي المنضبط..

 

لاحظي طريقة تفكيره، وأسلوب حواره، ونظرته للحياة، وكيفية تعامله مع الخلاف، فهذه الأمور أهم من الانشغال بالأسئلة الافتراضية.

 

فإن اجتهدتِ في السؤال، واستخرتِ ربك، واستشرتِ أهل الرأي، ثم اطمأن قلبك، فلا تفتحي على نفسك أبواب الوساوس التي لا تنتهي؛ فإن من عاش أسيرًا لـ "ماذا لو؟" قد يفوته كثير من الخير وهو ينتظر يقينًا لا يملكه إلا الله.

 

واجعلي شعارك دائمًا قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، فمن صدق توكله، رزقه الله سكينةً تعينه على القرار، وبركةً في الاختيار.

 

* همسة أخيرة:

 

ابنتي الغالية، لا تجعلي الخوف يلبس ثوب الحكمة، فليس كل متردد حكيمًا، وليس كل مطمئن متهورًا.

 

تذكري أن الحياة لا تُبنى على ضمانات مطلقة، وإنما تُبنى على حسن الاختيار، ثم حسن التوكل على الله تعالى، ثم حسن العشرة.

 

روابط ذات صلة:

خجولة وخائفة وزواجي الشهر القادم.. ما العمل؟

لكل فتاة مقبلة على الزواج.. روشتة للسعادة الزوجية

الرابط المختصر :