الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
27 - رقم الاستشارة : 4399
12/04/2026
السلام عليكم
شعرت أني منذ صغري تربيت في بيئة مؤذية، حيث كنت أخاف من العقاب أو السخرية إذا عبّرت عن مشاعري. مع مرور الوقت، أصبحت أكتم مشاعري وأخنق نفسي بنفسي، وأحيانًا لا أفهم ما أشعر به أو لماذا أتصرف بطريقة معينة. أشعر أنني أهرب من مواجهة نفسي وأتظاهر بالقوة والسعادة، رغم أني أعاني داخليًا.. كيف أستطيع استعادة صلتي بمشاعري وفهم نفسي والتعافي من آثار هذه التربية المؤذية؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
اطمئني حبيبتي، ما تشعرين به ليس ضعفًا، بل هو وعيٌ بدأ يستيقظ، وهذا بداية التعافي إن شاء الله تعالى.
ما مررتِ به يُصنَّف في علم النفس ضمن التنشئة المؤذية (Toxic Upbringing)، حيث ينشأ الطفل في بيئة تُقيّد التعبير عن المشاعر بالخوف أو السخرية، فيتعلّم مع الوقت ما يُسمّى بـ الكبت الانفعالي أو القمع العاطفي (Emotional Suppression)، ويُطوّر آلية دفاعية تُعرف بـ التجنّب.
وهنا يحدث ما وصفتِه بدقة:
انفصال تدريجي عن الذات، أو ما يُسمّى بـ الانفصال عن المشاعر (Emotional Disconnection).
أولًا: لماذا لا تفهمين مشاعرك أحيانًا؟
لأنكِ تعلّمتِ منذ الصغر أن:
التعبير = خطر.
المشاعر = ضعف.
الصمت = أمان.
فنشأ داخلك ما يُعرف بـ: مراقب داخلي ناقد، يمنعك من الإحساس الحر.
ثانيًا: كيف تبدئين استعادة صلتك بنفسك؟
١- التسمية قبل الفهم..
ابدئي بتسمية مشاعرك يوميًّا:
أنا أشعر بـ (حزن / قلق / توتر / فراغ).
هذه مهارة تُسمى: الوعي الانفعالي (Emotional Awareness).
٢- الكتابة العلاجية (Journaling)..
اكتبي دون رقابة:
ماذا أشعر؟
متى بدأ؟
ماذا أحتاج الآن؟
فهذا يُعيد بناء الاتصال الذاتي Self-Connection.
٣- تقبّل المشاعر لا محاكمتها..
قولي لنفسك: "من حقي أن أشعر، حتى لو لم أفهم الآن"، هذا ما يُسمى بـ التقبّل الذاتي (Self-Acceptance).
٤- التدرّب على الأمان النفسي
اختاري شخصًا آمنًا (صديقة، أو مستشارة) وابدئي بالتعبير تدريجيًّا.
وهذه خطوة نحو: إعادة بناء الأمان والسلامة العاطفية (Rebuilding Emotional Safety)
٥- مواجهة "الذات المزيفة"..
اعلمي أن تظاهرك بالقوة ليس كذبًا، بل وسيلة نجاة قديمة.
لكن الآن، أنتِ لستِ في نفس البيئة
هنا نعمل على: الأصالة النفسية (Authenticity).
ثالثًا: ماذا عن الهروب من النفس؟
الهروب ليس جبنًا، بل آلية حماية نفسية.
لكن الاستمرار فيه يمنع التعافي؛ لذا نحتاج الانتقال تدريجيًّا إلى المواجهة الآمنة (Safe Confrontation).
قال الله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾، أي أن داخلكِ القدرة على الفهم والوعي، لكنها تحتاج أن تُستعاد.
وقال ﷺ: "إنما العلم بالتعلّم، وإنما الحلم بالتحلّم"، أي أن ما لم نتعلمه صغارًا، يمكننا تعلّمه كبارًا ونصبر على تعلمه.
ثم لا بد أن تفهمي حقيقة مهمة جدًّا غاليتي:
أي نعم، أنتِ لم تُمنحي بيئة صحية في صغرك.. لكن يمكنك الآن أن تصنعيها داخل نفسك. وهذا ما يُسمى: إعادة التربية الذاتية (Self-Reparenting).
* همسة أخيرة:
ابنتي الحبيبة، ليس مطلوبًا منكِ أن تفهمي نفسك دفعة واحدة، يكفي أن تقتربي منها بلطف.. وفقك الله تعالى لكل خير.
روابط ذات صلة: