تهرب كثيرًا من المنزل بسبب إيذاء والدها!!!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : المراهقون
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 252
  • رقم الاستشارة : 3296
13/11/2025

السلام عليكم يا دكتورة،

أنا أم لبنت عندها ١٤ سنة، ومشكلتي كبيرة ومش عارفة أتصرف فيها خالص.

جوزي عصبي جدًا، ومعندوش أي طريقة في التعامل غير العنف والصوت العالي، وبالذات مع بنتنا الكبيرة.

كل ما تغلط غلطة بسيطة أو حتى لو ردت عليه بنبرة مش عاجباه، بيفقد أعصابه وبيضربها جامد جدًا!

مش ضرب تأديب، لأ يا دكتورة، ضرب مبرح لدرجة إني ساعات بخاف يسبب لها أذى جسدي حقيقي.

البنت بقت عايشة في رعب، وكل شوية تهرب من البيت. مرة راحت عند خالها، ومرة عند عمتها، ومرة نامت عند صاحبتها من غير ما نعرف مكانها، وده خلاني أعيش في قلق ورعب.

لما بترجع، بتبقى مدمرة نفسيًا وبتعيط طول الوقت، وتقولّي: "يا ماما أنا مش قادرة أعيش معاه، هو بيكرهني ولا إيه؟!"

أنا بين نارين يا دكتورة:

لو وقفت في وش جوزي علشان أحميها، بيتخانق معايا وبيقولي إني ببوّظ البنت وبهدم البيت.

ولو سكت، بحس إني بخون بنتي وسايباها تتعذب قدامي.

بنتي بقت بتتهرب من البيت وبتقفل على نفسها، ومش بتثق في حد، وأنا خايفة تتهور في لحظة وتعمل حاجة مؤذية لنفسها.

أنا تايهة ومش عارفة أعمل إيه؟ أواجهه؟ أسيبه؟ أبلغ حد؟ ولا أتصرف إزاي من غير ما أخسر بنتي ولا أخرب البيت؟

الإجابة 13/11/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

 

أيتها الأم الحنون، حديثك يقطر وجعًا، ولكنه في الوقت نفسه يفيض خوفًا نبيلًا على ابنتك، وهذا دليل على قلبٍ واعٍ ومسؤولٍ لا يرضى بالظلم ولا يصمت على القسوة.

 

العنف الأسري ليس وسيلة تربية

 

اسمحي لي أن أبدأ من حيث يجب أن يقف كل مرب أمام نفسه:

 

إن العنف الأسري ليس وسيلة تربية، بل هو انحراف في إدارة الغضب (Anger Mismanagement) يؤدي إلى تدمير نفسي وسلوكي لأفراد الأسرة، خاصة الأطفال والمراهقين.

 

تحليل الموقف

 

وسأبدأ معك بتحليل نفسي وتربوي للموقف:

 

ابنتك الآن في الرابعة عشرة من عمرها، أي في مرحلة المراهقة المبكرة (Early Adolescence)، وهي مرحلة تتشكل فيها الشخصية وتُبنى فيها صورة الذات (Self-Image).

 

وحين تتعرض الفتاة في هذا العمر للضرب المبرح من والدها، فإنها تفقد أهم مقومات نموها النفسي، وهو الإحساس بالأمان الأسري (Family Security)، وتبدأ داخلها سلسلة من التفاعلات السلبية: الخوف، التوتر، انعدام الثقة، ثم التمرد أو الهروب أو الانسحاب.

 

سلوكها بالهرب ليس "عقوقًا" كما قد يظن البعض، بل هو ما يسمى في علم النفس التربوي "سلوك الهروب الدفاعي" (Defensive Escape Behavior)، أي أنها تهرب من الألم حين تعجز عن مواجهته. إنها لا تهرب من البيت بقدر ما تهرب من الأذى.

 

توجيهات تربوية ونفسية عملية

 

وإليكم هذه التوجيهات التربوية والنفسية العملية:

 

أولًا: من الواجب الشرعي والإنساني أن تُوقفي هذا العنف فورًا.

 

فليس من البر ولا من القوامة أن يضرب الأب ابنته بهذا الشكل، فالنبي ﷺ ما ضرب بيده امرأة ولا طفلًا قط، وقال: "ما كان الرِّفق في شيءٍ إلا زانه، ولا نُزع من شيءٍ إلا شانه"؛ فالعنف لا يُصلح قلبًا، بل يُولّد كراهيةً وصمتًا مؤلمًا.

 

ثانيًا: حاولي أن تتواصلي مع الأب في وقت هدوء لا خصام ولا انفعال، وأوضحي له أن ما يفعله يُعرّض ابنته لمخاطر نفسية حادة قد تؤدي إلى اضطراب ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Stress Disorder – PTSD)، وأن استمرار العنف قد يدفعها للتمرد أو الانحراف أو حتى إيذاء الذات.

 

ثالثًا: لا تُبرّري أمام ابنتك ما يفعله والدها، ولكن أيضًا لا تشوّهي صورتَه، بل قولي لها إن الغضب مرض يحتاج إلى علاج وضبط، وإن الله لا يحب الظالمين. فبهذا تحمينها من الكراهية وتحافظين على اتزانها النفسي.

 

رابعًا: في حال إذا استمر الضرب أو زاد، فلا بد من طلب تدخل قانوني أو اجتماعي لحماية الفتاة، لأن حفظ النفس مقدم على أي اعتبار اجتماعي.. ولقد قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم...﴾، والعنف المبرح نوع من القتل البطيء للروح والعقل.

 

خامسًا: وجّهي ابنتك نحو التعبير عن مشاعرها بالكتابة أو الحوار أو الرسم؛ فالتنفيس الانفعالي (Emotional Venting) يُخفف من الضغط النفسي، ويفتح باب التواصل بينكما.

 

سادسًا: يمكنك اللجوء إلى مستشار أسري مختص أو مركز حماية الطفل، فهناك برامج علاجية للأباء ذوي الطبع العدواني تُعرف بـ “Anger Management Programs” تساعدهم على إعادة ضبط انفعالاتهم.

 

واستمري في تذكير زوجك بأن الإسلام دين الرحمة لا القسوة، وقد قال رسول الله ﷺ: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"؛ فالأب راعٍ لا جلاّدًا، ومَن خان رعايته فقد فرّط في أمانة الله. ذكّريه أيضا بقول الله تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ...﴾.

 

وأخيرًا غاليتي، لا بد أن تعلمي أن ابنتك الآن تحتاج إلى أم قوية بالعقل لا بالصوت، وحكيمة بالفعل لا بالانفعال.

 

احتويها، طمئنيها، وحافظي على اتصالك بها مهما ابتعدت. واجعلي هدفك في هذه المرحلة أن تُعيدي إليها الإحساس بأن البيت ما زال وطنًا، وأن الأم ما زالت أمانًا.

 

* همسة أخيرة:

 

احمي قلب ابنتك قبل أن يتيبّس، وأعيدي تعريف الأب أمامها بالصبر والحوار والتدخل الحكيم.

 

روابط ذات صلة:

هل الضرب يعوق النمو الأخلاقي للطفل؟!

ضرب وإهانة منذ صغري.. أنتحر أم أهرب؟!

الرابط المختصر :