في زمن «التيك توك».. كيف أقطع تعلُّقي بـ«المؤثرين» التافهين؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : التوبة والإنابة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 392
  • رقم الاستشارة : 3234
10/11/2025

أنا شاب في العشرينيات، لسه أعزب، وعندي مشكلة بتوجع دماغي بخصوص السوشيال ميديا واستخدامي ليها.

باكتشف إني باستمرار باعمل متابعة (Follow) لناس مشهورة (Influencers) على برامج زي التيك توك. وبالرغم من إني ملتزم في صلواتي وباسمع دروس دينية، إلا إني متأكد وعارف كويس أوي إن الناس دي مش قدوة كويسة؛ لأن المحتوى بتاعهم غالباً بيبقى مخالفات شرعية واضحة في اللبس أو طريقة الكلام والأفعال.

الخناقة اللي جوايا هي إني باحس بنوع من الشد والانجذاب القلبي ناحيتهم، لدرجة إني ممكن أحرص على إني أعرف أخبارهم الخاصة قبل أي حاجة، بس في نفس الوقت، فيه صوت ضمير جوايا بيأنبني جامد، وبيقول لي إن التعلق ده خطر على قلبي وعلى ديني.

هل التناقض ده بين إني عارف إن التعلق بيهم غلط وبين إني باستمر في المتابعة، يعتبر ضعف إيمان؟ وإيه التقييم الشرعي الصح للشعور ده؟

أنا مش قادر أعمل لهم حظر أو ألغي متابعتهم خالص؛ كأن الموضوع بقى إدمان. فإيه الخطوات العملية اللي أقدر أعملها عشان أعالج قلبي من التعلق ده، وأوجّهه للناس الصالحة المفيدة؟

جزاكم الله كل خير، وربنا ينفع بيكم.

الإجابة 10/11/2025

مرحبًا بك يا ولدي، وشكرًا جزيلاً على ثقتك بنا، وأسأل الله العلي القدير أن يشرح صدرك، وينير بصيرتك، ويوفقك لكل خير، وأن يثبت قلبك على الإيمان والتقوى، وأن يصرف عنك كل سوء وفتنة، وبعد...

 

فإن شعورك بالتناقض بين علمك بأن هذا المحتوى مخالف وغير نافع، وبين استمرارك في متابعته وعدم قدرتك على قطعه، هو حالة ليست بالضرورة تعبر عن ضياع الإيمان؛ بل هي غالبًا نتيجة لـ«غلبة الهوى» أو «تراكم الشهوات» التي أثرت على الإرادة، مع بقاء أصل الإيمان الذي يولد تأنيب الضمير.

 

والإيمان في قلب المؤمن ليس شيئًا ثابتًا لا يتغير؛ بل هو قابل للزيادة والنقصان. وأهل السنة متفقون على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

 

وما دام القلب ينكر هذا المنكر، ويشعر بالذنب والوجع، فهذا هو أصل الإيمان الذي يجعلك تلتزم بصلواتك ودروسك، وهو الذي يحركك للسؤال عن العلاج. قال النبي ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» [رواه مسلم]. فإنكارك القلبي للفتنة الموجودة في هذه المتابعات دليل على وجود أضعف الإيمان، وهو الحد الأدنى المنجي إن شاء الله.

 

ضعف الإرادة نتيجة الاعتياد:

 

إن الاستمرار في المتابعة، رغم المعرفة بسوء المحتوى، سببه أن هذه المخالفات تحولت من مجرد رؤية عابرة إلى «عادة» و«إدمان بصري»، مما أضعف حاجز الإرادة لديك وقدرتك على الضبط، وجعل القلب ينجذب إلى هذا المحتوى بشكل آلي، وهو ما يُعرف بـ«مدافعة الشهوة للوازع».

 

خطر التعلق القلبي:

 

ويجب يا ولدي أن تدرك أن هذا التناقض خطير؛ لأنه قد يقود -على المدى الطويل- إلى ظلمة القلب وموت الشعور؛ حيث يصبح القلب معتادًا على رؤية المنكرات فلا يعود ينكرها، وهذه هي المرحلة التي يُخشى منها على الإيمان حقًّا.

 

فالشعور بالانجذاب القلبي والحرص على معرفة أخبار هؤلاء هو بيت الداء، والتقييم الشرعي لهذا الشعور يركِّز على مسألتي: «التعلق بغير الله»، و«حب الفاسقين».

 

فالشريعة الإسلامية ربطت مصير العبد بمن يحبه ويتبعه، وهذا التعلق يمثل نوعًا من الموالاة والمحبة التي يُخشى من عواقبها. فمتابعة أخبار من يخالفون الشرع والحرص عليها هو أخطر من مجرد الرؤية؛ لأنه يمثل رضًا داخليًّا ومحبة قلبية لما هُم عليه، أو إعجابًا بشخصهم رغم فسقهم، وهذا مناقض تمامًا لأصل الولاء والبراء، وهو من أوثق عرى الإيمان.

 

وقد قال -تعالى محذرًا- من موالاة ومحبة من يخالفون شرعه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: 1]. وإذا كانت الآية في الكفار، فإن حبنا وإعجابنا بمن يجاهر بالمعصية ويُروج لها يمثل خطرًا -ولا شك- على سلامة القلب والمنهج.

 

وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رَسولَ اللَّهِ، كيفَ تَقُولُ في رَجُلٍ أحَبَّ قَوْمًا ولَمْ يَلْحَقْ بهِمْ؟ فَقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «المَرْءُ مع مَن أحَبَّ» [متفق عليه]. وهذا الحديث يجعلك تتساءل: هل أرضى أن أُحشر يوم القيامة مع هؤلاء «المؤثرين» الذين أحرص على أخبارهم، أم مع الصالحين والأخيار؟ إن حبهم في الدنيا هو بداية المحبة التي تؤدي إلى الحشر معهم في الآخرة.

 

ابحث عن القدوة الصالحة:

 

أمرنا الله -عز وجل- أن تكون قدوتنا الصالحة هي الأنبياء والرسل والصالحون، وفي مقدمتهم رسول الله ﷺ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

 

والتعلق بهؤلاء المؤثرين هو صرف للقلب عن القدوة الحقيقية، وتوجيه لطاقات الإعجاب والاهتمام إلى غير وجهتها الصحيحة.

 

خطوات عملية لعلاج التعلق وتوجيه القلب:

 

إن العلاج ليس مجرد قرار، بل هو جهاد عملي للنفس، يستلزم الصبر والمصابرة، وفيما يلي خطوات عملية لهذا العلاج:

 

أ. الحجب والقطع الفوري (إغلاق الباب)

 

لا يمكن علاج القلب ما دامت أسباب المرض تُغَذَّى باستمرار. أنت قلت إنك غير قادر على الحظر أو إلغاء المتابعة، وهذا بالضبط ما يجب أن تقاومه وتغلبه. اطلب العون من الله، ثم قم بالحظر (Block) وليس إلغاء المتابعة (Unfollow). فالحظر يضمن أنك لن تراهم في قوائم «المقترحات» ولن تستطيع الوصول إليهم بسهولة عند أول ضعف.

 

ثم من المهم أيضًا قطع الأسباب الوسيطة المؤدية لمتابعة هؤلاء، فقم بإلغاء تثبيت (Uninstall) التطبيقات الأكثر فتنة وإدمانًا (مثل «التيك توك»). لا تقنع نفسك بالاكتفاء بـ«تقليل الاستخدام»؛ بل القطع الحاسم هو الدواء الناجع للإدمان.

 

ب. الإحلال والاستبدال (توجيه البوصلة)

 

القلب لا يتحمل فراغًا، فبعد إزالة المحبة والتعلق الفاسدين، يجب ملء الفراغ بمحبة وتعلق نافعين.

 

فابحث عن «مؤثرين» على منهج الصلاح والاستقامة، من العلماء والدعاة وطلاب العلم الموثوقين، والذين يقدمون محتوى نافعًا (شرعيًّا، علميًّا، تنمويًّا).

 

تابع قصص الصحابة والسلف الصالح، التي تزرع في القلب الإيمان، فهؤلاء هم القدوات الحقيقية. وعندما يمتلئ القلب بحبهم لن تجد سفاسف الأمور والقدوات المزيفة الفاسدة مكانًا فيه.

 

يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. وقال ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِه؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخالِلْ»، وقال ﷺ: «لا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا» [رواهما أبو داود]، وهذا يشمل «الصاحب الرقمي» أيضًا.

 

أيضًا يمكنك تخصيص الوقت الذي كنت تضيعه في متابعة أخبارهم لحفظ القرآن الكريم، أو طلب العلم الشرعي، أو تعلم مهارة نافعة، أو ممارسة رياضة. هذا الالتزام العملي يقلل الفراغ الذي هو بوابة الشيطان.

 

ج. تقوية الإيمان (العلاج الداخلي)

 

وذلك -أولًا- عن طريق الدعاء والإلحاح على الله والالتجاء إليه، خصوصًا في السجود ووقت الاستجابة، بأدعية من أمثال: «اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك»، «اللهم اصرف عني السوء والفحشاء»، «اللهم اجعلني ممن يحبون فيك ويبغضون فيك».

 

واستحضر دائمًا الموت وانتهاء الأجل، وتفكر في مصيرك. تخيل نفسك في القبر، هل سينفعك حُبُّك لفلان وغيره من الفاسدين التافهين؟ اقرأ عن فناء الدنيا وسرعة زوالها، وتذكر قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: 77]. ومتابعة هؤلاء التافهين من «المتاع القليل» الذي لا يستحق أن نضحي بصفاء القلب، ورفعة المصير، من أجله.

 

وختامًا يا ولدي، تذكر أن الله قد اختارك من بين الملايين لتشعر بهذا الألم والتأنيب، وهذه نعمة عظيمة يجب أن تستثمرها وتنميها. فاستعن بالله، وابدأ الآن، لا غدًا! ابدأ بحجب هؤلاء الأشخاص، ثم املأ هذا الفراغ بالقرآن، والذكر، والعلم، وبالصحبة الصالحة، وغيرها من الأعمال النافعة والمفيدة لنفسك ولدينك ولأهلك ولوطنك.

 

جعلنا الله وإياك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأل الله أن يحفظ قلبك ويسدده.

 

روابط ذات صلة:

أولادي يقتدون بمشاهير التفاهة.. كيف أتصرف؟!!

ابنة أخي وأمها من أبطال التيك توك.. كيف أتصرف؟!!

«تيك توك» يغتال أطفالك

«تيك توك» يربي أبناءنا!

 

الرابط المختصر :