كيف نستثمر بقية العمر في أعمال يبقى أثرها؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : التوبة والإنابة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 272
  • رقم الاستشارة : 4025
07/02/2026

أنا رجل في الأربعين من عمري، درست بعضًا من العلوم الشرعية، وكلما قطعت شوطا في طلب العلم حدتُ عن الطريق وتركته بالكلية، فيسارعني الله بالعقوبة حتى أعود إلى الالتزام مرة أخرى.

وخلاصة حالي أنني أسرفت على نفسي كثيرا في الذنوب والكبائر بمراحل مختلفة من حياتي، وما زلت مذبذبا بين الالتزام والضياع، وانعكس ذلك على بيتي وأولادي، فتارة أُحسن تربيتهم وتارة أُقصّر، حتى وفقني الله مؤخرًا لتوبة جديدة وبدأت أصلح ما استطعت.

لكن يشغلني كثيرًا إدراك ما فاتني مع شعوري بقرب الأجل، ففكرت في عمل صدقة جارية تنفعني بعد موتي، غير أنني لا أملك مالًا ولا أصلح للتصدّر أو تعليم ما درسته للناس، وأعاني من انعدام التوافق في حياتي الزوجية مما يجعل مجاهدتي في تربية أولادي أشدّ، ومع ذلك أبذل وسعي غير أنني أخشى ألّا ينتفعوا بتربيتي فلا يدعوا لي أحد بعد موتي.

ومما أستطيعه المساعدة في تفريغ المواد الصوتية لأهل العلم، للمساهمة في نشر العلم، أو شراء المصاحف وتوزيعها في المساجد، أو إعداد مواد بسيطة في التوحيد أو ملخصات من كلام أهل العلم ونشرها.

وسؤالي: ما أفضل ما يمكنني القيام به ويُرجى أن يكون من الصدقة الجارية؟ أم أكتفي بتربية أولادي والقيام بحقهم؟

الإجابة 07/02/2026

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأثمِّن فيك هذا الصدق والوضوح مع النفس، فهذه أولى خطوات التصحيح. أسأل الله أن يربط على قلبك، ويغفر ذنبك، ويتقبل توبتك، ويجعل ما تبقى من عمرك خيرًا مما مضى، وأن يقر عينك بصلاح ذريتك وهدوء بيتك. آمين.

 

حالك بين الذنب والتوبة

 

أخي الكريم، إن تكرار الذنب مع تكرار التوبة هو ضعف بشري تقابله رحمة ربانية. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]. وجاء في الحديث الشريف: «إنَّ عَبْدًا أذْنَبَ ذَنْبًا - فقالَ: رَبِّ أذْنَبْتُ فاغْفِرْ لِي، فقالَ رَبُّهُ: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ أذْنَبَ ذَنْبًا، فقالَ: رَبِّ أذْنَبْتُ آخَرَ، فاغْفِرْهُ، فقالَ: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أذْنَبَ ذَنْبًا، قالَ: رَبِّ أذْنَبْتُ آخَرَ، فاغْفِرْهُ لِي، فقالَ: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلاثًا، فَلْيَعْمَلْ ما شاءَ» [متفق عليه].

 

وهذا لا يعني الترخيص في الذنب، وإنما يعني فتح باب الرجاء مع دوام المجاهدة.

 

وأنت تقول إنك كلما حِدتَ عن الطريق سارعك الله بالعقوبة حتى تعود. أتدري يا أخي ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن الله يحبك، فإنه -عز وجل- إذا أحب عبدًا ولم يرضَ له البعد عنه، ضيَّق عليه مسالك الدنيا ليعود إلى رحابه.

 

هذه العقوبات التي تراها هي في الحقيقة نداءات إلهية لتستفيق قبل فوات الأوان. يقول الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: 21].

 

فلا تنظر إلى شدة الابتلاء؛ بل انظر إلى لطف المبتلِي الذي لم يتركك لغفلتك حتى تهلك، بل أيقظك بصدمات القدر لتعود إليه.

 

الأربعون سن الأوبة والاستعداد

 

سن الأربعين هي سن كمال الرشد، وتجديد الميثاق مع الله. ففي القرآن الكريم خُصَّت هذه السن بدعاء عظيم: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15].

 

فلا تجعل تفكيرك في قرب الأجل يقعدك عن العمل؛ بل اجعله وقودًا للمبادرة بالتوبة، والمسارعة في الخيرات، والإقدام على العمل الصالح.

 

تصحيح مفهوم «الصدقة الجارية»

 

كثير من الناس يحصر الصدقة الجارية في المال أو المشاريع الكبيرة، وهذا تصور غير دقيق. قال النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رواه مسلم]. فالصدقة الجارية هي كل عملٍ يبقى نفعه متعديًا ولو كان صغيرًا في أعين الناس. وقد قال ﷺ: «اتَّقوا النار ولو بشِقِّ تَمرة» [متفق عليه]. فليست العبرة بضخامة العمل، بل بدوام أثره وإخلاص صاحبه.

 

أين تضع جهدك؟

 

لقد سألتَ: هل أكتفي بالتربية أم أقوم بتلك الأعمال؟ والجواب أخي الكريم: لماذا تختار وأنت تستطيع الجمع؟

 

إن الشيطان يريد أن يوهمك أن نشر العلم سيعطلك عن التربية، وهذا غير صحيح.

 

ما ذكرته من تفريغ الصوتيات أو تلخيص المواد العلمية، هو من أعظم القربات، وهو «علم ينتفع به» إن أخلصت فيه؛ خصوصًا في زمن كثرت فيه المشتتات وقلَّ الصابرون على التفريغ والتوثيق. وهو داخل في قوله ﷺ: «من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله» [رواه مسلم]. وقد ينتفع بتفريغك طالبُ علمٍ بعد عشرات السنين، ولا تعلم أين يبلغ أثره.

 

ولاحظ أن كلمة «علم» جاءت نكرة، لتدل على العموم والشمول، فهو أي علم ينتفع به الناس، مهما كان حجمه، وسواء أكنت مصدره الأصيل أم ناقلًا له ومُيسرًا. فربَّ مقطع فرغتَه أنت بجهدك، قرأه شخص انتفع به، كان لك أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة. فلا تحقرنَّ من المعروف شيئًا.

 

أما شراء المصاحف وتوزيعها، فهو عمل جليل -لا شك- وكل حرفٍ يُقرأ في هذه المصاحف لك به أجر، قال ﷺ: «مَن قرأ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها» [رواه الترمذي].

 

لكن إن كان مالك محدودًا، فافعله بقدر الاستطاعة دون أن تُحمِّل نفسك ما لا تطيق.

 

أما تربية أولادك فأقولها بوضوح وطمأنينة: نعم، قد تكون تربية أولادك هي أعظم صدقة جارية لك، ولو قصَّرتَ أحيانًا، ولو شعرتَ بضعف الأثر. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21]. وأنت مأجور على المحاولة، لا على النتيجة فقط. وقد قال ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» [متفق عليه].

 

أما عن قولك إنك تخشى ألا يدعو لك أولادك، فهذا من وسواس الشيطان ليصرفك عن الجهاد في تربيتهم. إن تعبك مع أولادك، وصبرك على انعدام التوافق مع زوجتك، واحتسابك الأجر في لقمة تضعها في أفواههم، هو عبادة بحد ذاتها.

 

إنك بتربيتهم لا تطلب «ردًّا للجميل» منهم؛ بل تطلب «رضا الله» فيهم. وإذا رآك الله صادقًا في تربيتهم، سخَّرهم للدعاء لك، حتى لو قصروا في حياتك فسيحنن الله قلوبهم إليك بعد مماتك. واعلم أن الدعاء قد يأتيك من حيث لا تحتسب.

 

الصبر جزاؤه الجنة

 

أخي الحبيب، إن صبرك على زوجتك مع فقد التوافق هو جهاد يرفع درجاتك عند الله، ويمحو ما سلف من ذنوبك. فلا تجعل هذا الهم يكسرك؛ بل اجعله كفَّارة لما فرطت في جنب الله سابقًا، مع بذل الجهد في الإصلاح بينكما، وإحداث التوافق.

 

خُلاصة عملية:

 

1- تخصيص وقت يسير لنشر العلم: اجعل لنفسك ساعة يوميًّا أو بضع ساعات أسبوعيًا لتفريغ مادة علمية أو تلخيص درس. هذا العمل سيكون رئة تتنفس منها الإيمان، ويزيدك ثباتًا على التزامك.

 

2- التربية بالقدوة: لا تُثقل على أولادك بالوعظ وأنت في حالة نفسية سيئة. دعهم يرون فيك أبًا تائبًا، أبًا يحاول، أبًا يضبط انفعالاته لأجل الله. هذه الصورة أبلغ من ألف درس.

 

3- توزيع المصاحف: إذا تيسر لك مبلغ بسيط ولو كل شهر مصحف واحد تضعه في مسجد، فافعل، فإنه من الصدقات التي لا ينقطع أثرها.

 

4- الاستغفار والدعاء: أكثر من الدعاء والاستغفار لذنوب الماضي، فالتوبة تجُبُّ ما قبلها، والله يفرح بتوبتك أكثر مما تتخيل. فاجتهد للثبات على التوبة، ولا تجعل الذنب العابر سببًا لترك العمل الصالح.

 

وختامًا أخي الكريم، أسأل الله أن يتقبَّل توبتك، ويجبر كسرك، ويبارك في عمرك وعملك وأهلك، وأن يجعل ما تقدِّمه من خير نورًا لك في قبرك، وذُخرًا لك عند لقائه، وأن يختم لنا ولك بالحسنى، ويجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

التوبة وحسن الظن بالله

تائب في سن الخمسين.. عمرك يبدأ اليوم

الرابط المختصر :