الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
14 - رقم الاستشارة : 4968
02/06/2026
أربي في مزرعتي المنزلية بعض الماعز والدجاج، وأشتري لها العلف والحليب الصناعي لأنها لا ترعى في الأرض (ليست سائمة)، فهل تجب فيها زكاة الأنعام؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فمرحبًا
بكم أخي العزيز، وإن شريعة الإسلام حكيمة في تشريعها، عادلة في تكاليفها، وقد جعلت
الزكاة طُهْرة للمال ونماءً للفضل، وراعت في أحكامها جهد المكلف وكلفته. ومن ذلك
شروط وجوب الزكاة في الأنعام الإبل، والبقر، والغنم والماعز، حيث علّق الشارع
الحكم بوصف "السوم" وهو الرعي في الكلأ المباح دون كلفة، ونظرًا لانتشار
المزارع المنزلية والتربية الحديثة القائمة على الأعلاف المشتراة، فإن لفقهاء
الأمة تفصيلًا دقيقًا يرفع الحرج ويحفظ الحقوق.
اختصارًا: بما
أن الماعز في مزرعتك المنزلية ليست سائمة أي لا ترعى في الأرض وإنما تشتري لها
العلف والحليب الصناعي طوال العام أو معظمه، فإن الحكم ينقسم كالتالي:
1. الماعز: لا تجب فيها زكاة الأنعام عند جمهور
العلماء الشافعية، والحنابلة، والحنفية؛ لأن شرط "السوم" منعدم، ووجوب
الزكاة يسقط بوجود الكلفة العالية في العلف. وخالف في ذلك المالكية فلم يشترطوا
السوم.
2. الدجاج: لا
تجب فيه زكاة الأنعام مطلقًا باتفاق العلماء؛ لأن الدجاج ليس من الأنعام التي تجب
الزكاة في عينها.
3. استثناء عروض التجارة: إذا كانت هذه الماعز أو الدجاج معدة للتجارة
والبيع لأجل التكسب من تقليبها، فإنهما يزكيان زكاة عروض التجارة إذا بلغت قيمتهما
النصاب وحال عليها الحول وهو عام قمري كامل، وتخرج الزكاة بنسبة ربع العشر 2.5 % من
القيمة الإجمالية. أما إن كانت للقنية والمنفعة الشخصية كاللبن، والبيض،
والاستهلاك المنزلي، فلا زكاة فيها مطلقًا.
آراء
العلماء قديما وحديثا:
اشتراط
السوم في الأنعام: الجمهور الحنفية، والشافعية، والحنابلة
ذهب
جمهور الفقهاء إلى أن الأنعام إذا كانت معلوفة يشتري لها صاحبها العلف، فلا زكاة
في عينها، واحتجوا بقول النبي ﷺ:
«فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ» رواه النسائي
وأحمد، فمفهوم المخالفة أن غير السائمة المعلوفة لا زكاة فيها.
جاء
في الهداية في شرح بداية المبتدي للمرغيناني 1/ 99: "ولا زكاة في المعلوفة؛
لقوله عليه الصلاة والسلام: «ليس في العوامل والحوامل والمعلوفة صدقة»، ولأن وجوب
الزكاة للنماء والنماء في السائمة بالرعي؛ لأن كفنتها قليلة، والمعلوفة مستغرقة
النماء بنفقة العلف".
وجاء
في المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي 1/ 274: "ولا تجب الزكاة إلا في
السائمة، وهي التي ترعى في الكلأ المباح، فأما المعلوفة فلا زكاة فيها؛ لما روى
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «ليس في المَثِيرَةِ ولا
العَلُوفَةِ صَدَقَةٌ»".
وجاء
في المغني للإمام ابن قدامة 3/ 21: "أجمع أهل العلم على أن الزكاة تجب في
السائمة من الأنعام... واشترط السوم في جميع الأنعام: الثوري، والشافعي، وأصحاب
الرأي. وقال مالك، والليث: تجب الزكاة في السائمة والمعلوفة وعوامل الماشية...
ولنا ما روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه في كتابه: «وفي صدقة الغنم في سائمتها
إذا كانت أربعين...» فخص السائمة بالوجوب، ومفهومه نفيه عن غيرها".
عدم
اشتراط السوم: المذهب المالكي
يرى
المالكية أن الأنعام تزكى مطلقًا، سواء كانت سائمة أو معلوفة، لعموم بعض النصوص
التي لم تقيد بالسوم.
جاء
في مختصر خليل والدردير في الشرح الكبير 1/ 431: "تجب زكاة نعم وهو الإبل
والبقر والغنم... ولو معلوفة أو عاملة؛ لعموم الأحاديث كقوله ﷺ: «في أربعين شاة
شاة» من غير تقييد بالسوم".
حكم
الدجاج وزكاة عروض التجارة:
•
الدجاج: اتفق العلماء على أن وجوب زكاة الأنعام مقتصر على الأنعام الثلاثة، والدجاج ليس
منها.
جاء
في المجموع للنووي: "أجمع العلماء على أنه لا زكاة في الخيل، والبغال،
والحمير، والدجاج، والإوز إذا لم تكن للتجارة".
•
الفتاوى المعاصرة:
جاء
في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 9/ 223: "الماشية المعلوفة
لا زكاة في عينها عند جمهور العلماء، وكذلك الدجاج لا زكاة في عينه. لكن إن كانت
هذه الحيوانات والدواجن قد أعدت للبيع والتجارة، فإنها تقوّم عند تمام الحول،
وتخرج زكاتها بمقدار ربع العشر 2.5 % إذا بلغت قيمتها نصاب الذهب أو الفضة".
القواعد
الفقهية الحاكمة:
•
قاعدة: "المشقة تجلب التيسير"
شرعت
الزكاة مواساة من فضل مال النماء، وبما أن الحيوانات المعلوفة تتطلب كلفة مالية
عالية لشراء الأعلاف والحليب الصناعي، فإن إلزام صاحبها بالزكاة فوق كلفة العلف
يجلب عليه الحرج والمشقة، فخفف الشارع بإسقاط زكاة العين عنها.
•
قاعدة: "الأصل براءة الذمة"
الذمة
بريئة من التكاليف والواجبات المادية حتى يقوم الدليل الشرعي الصحيح المتيقن على
الشغل. ولم يصح دليل يوجب الزكاة في الدجاج أو الماشية المعلوفة للقنية، فبقي
الأمر على أصل البراءة.
•
قاعدة: "التجارة تُصيّر العروض أثمانًا"
العروض
الحيوانات، الدجاج، السلع إذا قارنتها نية التجارة والتقلب لطلب الربح، فإنها تخرج
عن وصف القنية وتأخذ حكم الأثمان والنقود، فتجب الزكاة في قيمتها لا في عينها
رعاية لمصلحة الفقراء. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
الزكاة.. عبادة غائبة وقوة تنموية مهدورة