دعاء الأم على ابنها وزوجته في جوف الكعبة

Consultation Image

الإستشارة 04/01/2026

ما حكم تصرف أم تدعو على ابنها وزوجته أمام الكعبة المشرفة. في الآونة الأخيرة، انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لأم تدعو على ابنها وزوجته أمام الكعبة، وذلك نتيجة لخلافات شخصية وحقد شخصي. وقد صاحب هذا التصرف أيضاً استخدام الهاتف للتصوير ونشر الفيديو على الملأ، مما أثار جدلاً واسعاً.

السؤال: ما حكم الشرع في تصرف هذه الأم، التي قامت بالدعاء بالهلاك والضرر على ابنها وزوجته وحفيدها الطفل الصغير في هذا المكان المقدس؟ وهل يُعد هذا التصرف جائزاً؟ وما حكم استخدام الهاتف والتصوير أثناء الدعاء في الكعبة ونشر هذه المقاطع أمام الناس؟

نرغب في معرفة الحكم الشرعي الواضح بشأن هذا الفعل، والتوجيه المناسب للمجتمع للأمهات، ما أهمية الحفاظ على قدسية الأماكن المقدسة، وكيف يجب علينا توعية الناس والأمهات بعدم تقليد مثل هذه التصرفات السلبية.

الإجابة 04/01/2026

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فإن كانت الأم مظلومة حقًّا، وقد سعت لرد الظلم عن نفسها بكافة الطرق العائلية وغيرها، ولم تصل إلى شيء فهي محقة والابن وزوجته يأثمان إن كانا اتفقا على ظلمها، وإن كانت ظالمة أو مدعية دون وجه حق فتأثم الأم ولن يستجاب لها فهذا اعتداء في الدعاء، وقد دعت العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

 

وكان الأفضل أن تغلب الأم الفضل ولا تدعو في هذه المواطن فيستجاب لها إن كانت محقة، ولو دعت لهم بالهداية لكان خيرًا لها ولهم، وعلى الابن أن يبادر بإصلاح علاقته بأمه ويرضيها بقدر استطاعته، فما زالت الفرصة سانحة للتوبة.

 

وعلى المجتمع أن يقوم بواجبه ويرفع الظلم عن المظلومين، إن كان القضاء قد عجز عن حل هذه المشكلات، أما الدعاء على الطفل غير المكلف فلا يجوز بحال.

 

متى يجوز الجهر بالسوء؟

 

يقول الله تعالى: ﴿لاَ يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 148]

 

ويقول النبي ﷺ: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)، ومعنى الحديث أن مماطلة المدين القادر على أداء الدين يحل لصاحب الدين أن يتحدث أمام الناس ويحذر الناس منه، كما يحل عقوبته من خلال القاضي الذي يلزمه بأداء الدين أو إيقاع العقوبة المناسبة له.

 

يقول الفخر الرازي – رحمه الله في تفسير للآية السابقة:

 

ماذا يفعل المظلوم؟

 

فيه وجوه: الأول: قال قتادة وابن عباس: لا يحب الله رفع الصوت بما يسوء غيره إلا المظلوم فإن له أن يرفع صوته بالدعاء على من ظلمه.

 

الثاني: قال مجاهد: إلا أن يخبر بظلم ظالمه له.

 

الثالث: لا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكتومة؛ لأن ذلك يصير سببًا لوقوع الناس في الغيبة ووقوع ذلك الإنسان في الريبة، لكن من ظلم فيجوز إظهار ظلمه بأن يذكر أنه سرق أو غصب، وهذا قول الأصم.

 

الرابع: قال الحسن: إلا أن ينتصر من ظالمه. قيل نزلت الآية في أبي بكر رضي الله عنه، فإن رجلاً شتمه فسكت مرارًا، ثم رد عليه فقام النبي ﷺ، فقال أبو بكر: شتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه قمت، قال: «إن ملكًا كان يجيب عنك، فلما رددت عليه ذهب ذلك الملك وجاء الشيطان، فلم أجلس عند مجيء الشيطان»، فنزلت هذه الآية. أ.هـ باختصار وتصرف.

 

ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسير لهذه الآية:

 

في هذه الحالة يكون الوصف بالسوء - ويشمل ما تعبر عنه المصطلحات القانونية بالسب والقذف - انتصارًا من ظلم، ودفعا لعدوان، وردًّا لسوء بذاته قد وقع بالفعل على إنسان بذاته؛ وتشهيرًا بالظلم والظالم في المجتمع؛ لينتصف المجتمع للمظلوم؛ وليضرب على يد الظالم؛ وليخشى الظالم عاقبة فعله، فيتردد في تكراره.. والجهر بالسوء عندئذ يكون محدد المصدر - من الشخص الذي وقع عليه الظلم - محدد السبب - فهو الظلم المعين الذي يصفه المظلوم - موجهًا إلى شخص بذاته هو الذي وقع منه الظلم.

 

عندئذ يكون الخير الذي يتحقق بهذا الجهر مبررًا له؛ ويكون تحقيق العدل والنصفة هو الهدف لا مطلق التشهير.

 

إن الإسلام يحمي سمعة الناس - ما لم يظلموا - فإذا ظلموا لم يستحقوا هذه الحماية؛ وأذن للمظلوم أن يجهر بكلمة السوء في ظالمه؛ وكان هذا هو الاستثناء الوحيد من كف الألسنة عن كلمة السوء.

 

وهكذا يوفق الإسلام بين حرصه على العدل الذي لا يطيق معه الظلم، وحرصه على الأخلاق الذي لا يطيق معه خدشًا للحياء النفسي والاجتماعي. أ. هـ باختصار وتصرف.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

دعاء الأم على أبنائها

أدعو على من ظلمني في رمضان.. هل من سبيل آخر للتشفي؟

الرابط المختصر :