الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
104 - رقم الاستشارة : 4254
04/03/2026
انتمى لعائلة شديدة الاضطرابات والنزاعات بين افرادها وصلت إلى خصومات ومشكلات ثأرية وسجن وقتل وبغي وظلم وغير ذلك وكان والدي رحمه الله على خلاف شديد مع بعض أهله طوال حياته واشتدت الخلافات في أواخر أيامه حتى إنهم حاولوا التخلص منه لكنه نجا ثم توفي بعد ذلك وفاة ظاهرها طبيعية مع وجود شبهة عند بعض الناس.
وقد دُفن والدي حسب وصيته في مقبرة (تربة) مشتركة بينه وبين أهله الذين بيننا وبينهم نزاع قائم وهذه التربة لها سور وقد تهدَّم جزء منه وأخشى على قبر والدي من الامتهان أو العبث أو أي اعتداء قد يمس حرمته سواء منهم او من غيرهم وأضيف إلى ذلك أن القبر ليس على الهيئة الشرعية وإنما هو مبني على هيئة ما يُعرف بالفسقية (بناء مرتفع ومُشَيَّد) وهي هيئة أعلم أنها في الأصل ليست موافقة للسنة.
والان إن قمت بإصلاح الجزء المتهدم من السور فقد يترتب على ذلك تجدد نزاع ومشكلات مع أهل والدي وان تركت الأمر كما هو أخشى أن أكون مقصرا في حفظ حرمة قبره فلا ادري ما أفعل كما أنني لا أدري هل يجب عليَّ السعي لتغيير هيئة القبر أم يكتفى بتركه اتقاءً للفتنة ؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فأريد أن أحيي فيكم روح البر بوالدكم -رحمة الله عليه- وإن كان ميتًا، وآسف لما بينكم كأسرة واحدة من الخلاف والتشاجر؛ فالأصل في القرابة السكن والمودة، لا التوجس والخصومة. ما تشعر به من قلق تجاه حرمة قبر والدك هو دليل على برّك به وحرصك على كرامته بعد وفاته، وأسأل الله أن يصلح ذات بينكم، وأن يهديكم سبلكم، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتك.
وفي واقعة السؤال نقول: أكثر من الاستغفار لوالدك والصدقة عنه، فهذا ما ينتظره الوالد رحمه الله، وينتفع به في دار الحق، وهذا أفضل من القلق على القبر، ولا تسعَ إلى تغيير هيئة القبر في هذه الظروف؛ ما دام القبر ملكًا مشتركًا؛ لأن المفسدة المترتبة عليه أعظم من المصلحة من تسوية القبر.
أما إصلاح السور فيسعك فيه التصرف بالحكمة والموازنة بين المفاسد والمصالح، فاجتهد فيه قدر الطاقة، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وأخيرًا شبهة القتل أوكل أمرها إلى العليم القدير، وكل جان سيجزي بما فعلت يداه، وما دمت ليس لديك يقين جازم بما تشك فيه، فلا تشغل نفسك به، فاليقين لا يزول بالشك، والبينة على المدعي.
ويمكننا تقسيم سؤالكم إلى ثلاث قضايا رئيسة:
الأولى: وهي أيسرها، ما ينتابكم أو غيركم من شكوك حول ظروف وفاة الوالد رحمه الله، فإن الأصل أن الأمور لا تصرف عن ظاهرها إلا بدليل أو قرينة قوية، وأن اليقين لا يزول بالشك، فإن كانت هناك قرائن فيجب تحريها من أولياء الدم في حينها، حفظًا لحق الدم المهدور إلا أن يعفو صاحب الولاية، ولعل زمن التحري قد فات، وكفاكم الله شر باب فتنة لا نعلم مداها ومآلها، والقاعدة الفقهية القانونية تقول "البينة على المدعي واليمين على من أنكر".
والثانية: حكم تغيير هيئة القبر (الفسقية)
من المعلوم شرعًا أن السنة هي تسوية القبور وعدم تعليتها أو البناء عليها، لقوله ﷺ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أَنْ لا تَدَعَ تِمْثَالاً إِلا طَمَسْتَهُ، وَلا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلا سَوَّيْتَهُ" (رواه مسلم).
ومع ذلك، يقرر الفقهاء قاعدة أن "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، وبما أن القبر مبني بالفعل (فسقية)، وتغييره الآن قد يؤدي إلى نبش القبر أو إثارة فتنة كبرى مع الخصوم، أو قد يُفهم منه اعتداء على ملكية مشتركة، فإن الواجب هو تركه على حاله؛ لأن إنكار المنكر (البناء على القبر) لا يجوز إذا أدى إلى منكر أكبر منه (نشوب قتال، أو سجن، أو انتهاك حرمة الميت بالنبش).، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، ففي حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري أن النبي ﷺ قال لها: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: "لَوْلا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ"، وفي رواية أخرى بلفظ: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ -أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ- لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ". فرسول الله قد ترك ما هو أعظم نفعًا وأشد خطرًا من تسوية القبر مخافة الفتنة.
والثالثة: إصلاح السور المتهدم:
حرمة الميت كحرمة الحي، وحماية القبر من الامتهان (كدخول الدواب أو العبث) مطلب شرعي. لكن حالتك محكومة بظروف "النزاع والثأر"، فإذا كان السور متهدمًا لدرجة تسمح بالعبث بالقبر، فالأصل هو الإصلاح، إلا إذا كان مجرد اقترابك من "التربة" لإصلاح السور سيشعل نار الفتنة ويؤدي إلى صدام قد يسفك فيه دم أو يجدد ثأرًا، فهنا يسقط عنك الوجوب، وحتى تسقط عنك الحرج بالكلية فحاول البحث عن "وسيط" من كبار العائلات أو من طرف محايد ممن لا يزالون على صلة بالطرف الآخر، ليكون الإصلاح جماعيًّا أو بعلمهم، دفعًا لسوء الظن، أو أوصل لهم أنك ستقوم بدفع التكاليف ليقوموا هم بالإصلاح بأنفسهم، فإذا تعذر ذلك كله وكان خطر الفتنة محققًا، فلا إثم عليك في تركه، قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).، وقال ﷺ: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، فإذا وقع اعتداء فعلي (لا قدر الله) من الطرف الآخر، فهنا ينتقل الأمر من كونه "حقًّا شخصيًّا" إلى كونه قضية قانونية وشرعية تُرفع لجهات الاختصاص، ولا ينبغي لك التصرف منفردًا حتى لا تنجرف العائلة لمزيد من القتل والظلم.
وأخيرًا فإن حفظ حرمة الميت لا تقتصر على البناء فحسب، بل بالدعاء والصدقة الجارية، واستعض عن القلق على القبر بالإكثار من الاستغفار له والصدقة عنه، فهي التي تصل إليه وتنفعه في قبره، أما الهيكل الخارجي للقبر فلا يضره ما دامت روحه عند بارئها.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة:
ما ينتفِعُ به الميتُ مِنْ عملِ الأحياء