الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
17 - رقم الاستشارة : 5436
30/07/2026
أعمل في تجارة السيارات المستعملة، وجاءني زبون اشترى مني سيارة وفحصها، وبعد أسبوع عاد إليّ يطلب فسخ العقد لأن زوجته لم يعجبها لون السيارة، علماً بأنني لم أقصر معه في شيء؛ فهل أنا ملزم شرعاً بقبول "الإقالة" وفسخ البيع ورد ماله، أم أن الأمر اختياري ومستحب فقط؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن عقود البيع
والشراء من العقود التي تبنى على التراضي والاستقرار المالي، فإن التمييز بين ما
هو واجب يفرضه الشرع وما هو مستحب يندب إليه الإحسان يُعد أمرًا أساسيًّا لضمان
حقوق التجار والمتعاملين ومنع النزاعات.
اختصارا: أنت لست ملزمًا شرعًا بقبول "الإقالة" أو فسخ البيع ورد الثمن
للزبون، ما دام البيع قد تم صحيحًا واستوفى شروطه، وتمت معاينة السيارة وفحصها دون
وجود أي عيب خفي أو اشتراط سابق لخيار الفسخ كاشتراط موافقة الزوجة خلال مدة
محددة؛ فالبيع هنا عقد لازم لا يملك أحد الطرفين فسخه بإرادته المنفردة.
ومع ذلك، فإن قبولك لفسخ العقد وإعادة السيارة وهو ما
يسمى في الفقه بـ «إقالة النادم» يُعد أمرًا مستحبًا استحبابًا مؤكدًا وسنة
نَبَوِيّة عظيمة يترتب عليها أجر كبير وبركة في التجارة، ولا يلحقك أي إثم شرعي إن
رفضت الفسخ، ولكن إذا كان بإمكانك مساعدته دون ضرر فعلي عليك فأنت مندوب إلى ذلك
بشدة، ولو كان هناك بعض الأضرار البسيطة التي يقبل المشتري تحملها عن رضا،
فمساعدتك له أيضا عمل من البر الذي يرضى الله عنه.
وتفصيلاً:
رأي أئمة المذاهب الأربعة الإقالة مستحبة وليست واجبة
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة الحنفية، والمالكية،
والشافعية، والحنابلة على أن البيع متى ما وقع صحيحًا وخلا من الخيارات كخيار
المجلس أو الشرط أو العيب صار عقدًا لازمًا، وأن الإقالة وفسخ البيع بالتراضي تبرع
وإحسان مستحب من البائع وليست مُجبرًا عليه.
قال الإمام ابن قدامة في المغني ج 4 ص 92:
«وَالإِقَالَةُ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لأَنَّ فِيهَا إِحْسَانًا إِلَى النَّادِمِ
وَتَفْرِيجًا لِكُرْبَتِهِ... وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً؛ لأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ تَمَّ
وَلَزِمَ بِالتَّفَرُّقِ، فَلا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى فَسْخِهِ».
وقال الإمام النووي في الروضة ج 3 ص 568: «الإقالة
مستحبة في حق من ندم من متبايعين أو أحدهما، لما فيها من الرفق والإحسان، وتصح قبل
القبض وبعده... وهي فسخٌ للعقد بالتراضي».
وقال الإمام الكاساني في بدائع الصنائع ج 5 ص 306: «وأما
حكم الإقالة: فهو ثبوت الفسخ في حق المتعاقدين... ولا يجبر عاقدٌ عليها إلا
بالتراضي، لأن الملك قد استقر بالبيع».
الدليل من السنة النبوية المطهرة في جواز الإقالة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ
أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه أبو
داود برقم 3460، وابن ماجه برقم 2199، وصححه الألباني.
ثانيًا: فتاوى العلماء والمجالس الفقهية المعاصرة في
الإقالة
أكد العلماء المعاصرون على لزوم العقود بعد تفرق
المتبايعين، وعلى عدم إجبار التجار على رد البضائع والسلع المباعة إلا على سبيل
المروءة والاستحباب.
من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: «إذا
تم البيع الخالي من خيار الشرط والعيب وتفرق المتبايعان من المجلس، فقد لزم البيع،
ولا يحق للمشتري فسخه إلا برضا البائع، فإن أقاله البائع فهو سنة ومستحب في حقه
وله الأجر، وإن أبى فلا إثم عليه لأن العقد أصبح لازمًا».
ومن فتاوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: «إذا لزم
البيع لم يكن لأحد المتعاقدين فسخه إلا برضا الآخر، وهذه هي الإقالة، وهي سنة في
حق البائع إذا طلبها المشتري النادم، وليست واجبة عليه؛ فإذا جاءك المشتري وقال:
أنا ندمت وأريد رد السلعة، فمن المروءة ومكارم الأخلاق أن تقيله، ولك الأجر عند
الله، فإن أبيت فلا حرج عليك شرعاً»
القواعد الفقهية الحاكمة في الإقالة:
قاعدة: «الأصل في العقود اللزوم»
متى ما تم عقد البيع صحيحًا واستوفى أركانه وخلا من
خيارات الفسخ، أصبح العقد لازمًا للطرفين ولا يجوز لإحداهما إبطاله أو فسخه منفردة
دون رضى الطرف الآخر.
قاعدة: «المسلمون على شروطهم»
المشتري اشترى وفحص بنفسه ورضي بالسلعة ولم يشترط خيارًا
إضافيًّا كأخذ مهلة لموافقة الزوجة، فيلزمه ما دخل عليه من شروط العقد دون مقدرة
على إجبار البائع بالتحلل منه.
قاعدة: «التبرع لا يُكره عليه المرء»
الإقالة في جوهرها تُعد تبرعًا وإحسانًا من البائع
بالنزول عن حقه الثابت بالعقد وإعادة المال للمشتري النادم، والقواعد الشرعية تقرر
أن أفعال البر والإحسان لا يُكره عليها المكلف ولا يُجبر عليها قضاءً أو ديانة. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
نكث بيعه بعد العربون موقف الشريعة من الأطراف الثلاثة