الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الأطفال
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
215 - رقم الاستشارة : 3564
13/12/2025
من فضلك، أنا أم لبنت عندها 9 سنوات، ومن يوم وُلدت وهي مختلفة تمامًا عنّا جميعًا في البيت. إحنا عائلة مرحة بطبعنا، نضحك كثيرًا ونتفاعل، لكن بنتي دايمًا عكسنا تمامًا.
من صغرها وهي "مكشّرة"، لا تضحك، ولا حتى تبتسم في المواقف التي تضحك لها أي طفلة في عمرها. جرّبنا معها كل شيء: المزاح، اللعب، الخروجات، المفاجآت.
لكنها تظل بملامح جامدة جدًا، وكأن الضحك لا يخصّها.
لا أقول إنها حزينة طوال الوقت، لكنها لا تُظهر أي بهجة، ولا تشارك إخوتها ضحكاتهم، حتى في اللقطات المرحة أو ألعابهم المضحكة.
بدأت أقلق:
هل هذا طبع؟ أم مشكلة؟
وهل عدم الضحك يعني أن عندها شيئًا مكبوتًا؟
وكيف أتعامل معها من غير ما أضغط عليها أو أخليها تشعر أنها "غريبة" بيننا؟
أحتاج رأي حضرتك وتوجيهك حتى أفهم ابنتي أكثر.
ابنتك -يا عزيزتي- ذات نمط مختلف من الأطفال يحتاج فقط إلى قراءة دقيقة وتربية هادئة. فالناس في مشاعرهم ليسوا سواء، قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾، ومؤشرات السعادة أو التعبير عنها تختلف باختلاف الطبائع ولها درجات مختلفة لكل شخص، والاختلاف جزء من حكمة الله.
انخفاض التعبير الوجهي والانفعالي
من وصفك يبدو أن ابنتك تمتلك سمة شخصية تُسمّى في علم النفس Low Expressive Temperament أي انخفاض التعبير الوجهي والانفعالي. هذا لا يعني أنها حزينة أو مكتئبة، بل إنها لا تُظهر مشاعرها بسهولة. هناك أطفال تكون مشاعرهم Internalized أي تُعاش في الداخل أكثر مما تظهر في الخارج.
أولًا: فهم نمط شخصيتها:
هي طفلة ذات طبع رصين وجاد، وهذا النوع كثير التفكير، يميل للملاحظة أكثر من التفاعل السريع، وتكون عضلات الوجه لديه أقل حركة من أقرانه.
هؤلاء الأطفال لا يضحكون إلا حين يشعرون بالأمان التام ورغبة داخلية صادقة، وليس استجابة للجو الاجتماعي.
ثانيًا: عليك بالتمييز بين الطبع والمشكلة:
ما لم يكن هناك انسحاب اجتماعي شديد، أو صمت مطبق، أو خوف واضح، أو علامات اكتئاب طفولي، كفقدان الشهية أو اضطراب النوم أو فقدان الاهتمام، فالأغلب أن ما لديها طبعٌ لا ضرر فيه، فطبائع الناس مختلفة، وليس في اختلافهم عيب.
ثالثًا: لا تضغطي عليها لتضحك:
فالضغط على الطفل ليضحك أو ليظهر البهجة يزيد المقاوَمة النفسية Psychological Resistance ويجعله أكثر انغلاقًا.
دعوها تبتسم حين تختار؛ فالضحك القسري يُشعرها أنها "غير طبيعية"، وهذا خطر على تقدير الذات Self-Esteem.
رابعًا: عزّزي مشاعرها الحقيقية بدون مقارنة:
قولي لها جملًا مثل:
- "أنا أحب هدوءك".
- "طريقتك في التعبير مختلفة وهذا جميل".
- "وجودك يضيف للعائلة توازنًا".
فالقبول يفتح أبواب الثقة الداخلية.
خامسًا: شاركيها أنشطة مناسبة لشخصيتها:
الأطفال ذوو الانفعال الهادئ يفضّلون الأنشطة العميقة:
- كالقراءة.
- الرسم الهادئ.
- تركيب الألغاز.
- الرحلات القصيرة في الطبيعة.
هذه الأنشطة تنمّي داخلها الدفء العاطفي Emotional Warmth ببطء ولكن بثبات.
سادسًا: افتحي لها أبواب التعبير البديل:
حيث إن بعض الأطفال لا يضحكون، لكنهم يعبّرون عن الرضا بطرق أخرى: كنبرة هادئة، اقتراب جسدي، نظرة طويلة، تعليق بسيط. هذه كلها مؤشرات لطيفة ويجب الاحتفاء بها.
سابعًا: راقبي من بعيد دون قلق زائد:
راقبي نومها، لعبها، تحصيلها، تفاعلها. إن كانت طبيعية في بقية جوانب حياتها، فأبشري، إنها فقط ذات طبع جاد. أما إن ظهرت علامات انطواء شديد أو حزن داخلي، فحينها نستشير مختصًا، وهذا نادر، فاطمئني.
وأخيرًا، يا أختي، ليست السعادة في الابتسامة وحدها، فهناك قلوب تضحك في الداخل ولا تُظهر ذلك. قومي معها بدور الحاضنة الهادئة، لا الدافعة القسرية.
* همسة أخيرة:
اطمئني غاليتي، فمع النمو وازدياد نضج الجهاز العصبي ستبدأ ابتسامة ابنتك تظهر شيئًا فشيئًا، حين تشعر بالأمان العاطفي من جانبك أولا.
روابط ذات صلة: