الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 5843
12/09/2026
أنا فتاة جامعية عمري 20 سنة، وكلما دخلت مواقع التواصل أشعر أن حياتي متأخرة جدًّا.
واحدة من صديقاتي متفوقة، وأخرى بدأت مشروعًا، وثالثة تتحدث الإنجليزية بطلاقة، ورابعة تبدو اجتماعية وواثقة، وأنا أشعر أنني لا أملك شيئًا.
أبدأ كل أسبوع خطة جديدة: أقرأ، أتعلم لغة، أتمرن، أنظم نومي، أذاكر، وأطور نفسي. وبعد أيام أتوقف.
ثم أشعر بالذنب وأقول لنفسي: «أنت فاشلة، أنت لا تملكين إرادة».
أحيانًا أشعر أنني لا أعرف أصلًا ماذا أريد.
كيف أخرج من هذه الدائرة؟
يا
ابنتي، أنت لا تبدين لي فتاة بلا طموح، بل على العكس تمامًا؛ تبدين فتاة تريد أن
تصبح أشياء كثيرة في وقت واحد؛ ولذلك أصبحت عاجزة عن البدء في شيء واحد والاستمرار
فيه.
هناك
فرق بين الطموح وبين ضغط التطور المستمر. أحيانًا لا يكون الإنسان كسولًا، وإنما
يكون مستنزفًا من كثرة ما يطلبه من نفسه.
وأعتقد
أن مشكلتك الأساسية ليست: «كيف أطور نفسي؟»، بل: «كيف أتوقف عن قياس قيمتي بمقدار
ما أنجزه الآخرون؟».
أولًا:
أنت ترين واجهة حياة الآخرين بتركيز كبير..
مواقع
التواصل تعرض النتائج أكثر مما تعرض الطريق.
أنت
ترين "شهادة"، لكن لا ترين شهور التعب.
ترين
"مشروعًا"، ولا ترين مرات الفشل.
ترين
أحيانا "فتاة واثقة"، ولا تعرفين ما إذا كانت واثقة فعلًا أم تجيد
الظهور بثقة. وهذا يسمى Social Comparison.
والمقارنة
الاجتماعية ليست دائمًا سيئة، لكنها تصبح مؤذية عندما تتحول من:
«ماذا
يمكن أن أتعلم؟» إلى: «لماذا أنا أقل منها؟».
ثانيًا:
توقفي عن بناء شخصيات متعددة في أسبوع..
تريدين
أن تصبحي: قارئة، رياضية، متفوقة، اجتماعية، مثقفة، منظمة، ماهرة في اللغة، واثقة
وهادئة... فتضعين مثلا عشرين هدفًا، ثم تفشل الخطط كلها.
ثم
تقولين: «أنا لا أملك إرادة».
لا
يا ابنتي، ربما الخطة نفسها غير واقعية.
في
علم النفس نحتاج إلى التفكير في شعور الإنسان بقدرته على إحداث تقدم حقيقي. والكفاءة
الذاتية لا تنمو من الأمنيات الكبيرة، بل من نجاحات صغيرة متكررة.
اختاري
هدفًا واحدًا أساسيًّا لمدة شهر واحد فقط. مثلًا: «سأركز على دراستي وأقرأ عشر
دقائق يوميًا» ليس: «سأغير حياتي كلها».
عندما
تنجحين في تنفيذ عادة صغيرة، يبدأ عقلك في تعلم: «أنا أستطيع الالتزام»، وهذه
الفكرة أهم من حجم الإنجاز نفسه.
ثالثًا:
لا تنتظري الحماس..
فالحماس
متقلب. أما Behavioral
Activation أو التنشيط السلوكي فيعتمد على أن الفعل أحيانًا يسبق الشعور.
أي:
لا أنتظر أن أشعر بالنشاط حتى أبدأ، بل أبدأ بخطوة صغيرة، فيأتي النشاط تدريجيًّا.
رابعًا:
لا تقيسي يومًا سيئًا وتجعليه دليلًا على شخصية سيئة..
إذا
لم تدرسي يومًا: لا تقولي: «أنا مهملة»، بل قولي: «هذا اليوم لم يسر جيدًا، وإن
شاء الله غدًا أعود»، هذا ما يسمى بـ"إعادة صياغة التفسير الذهني".
فبدل:
فشلت، إذًا أنا فاشلة. نقول: تعطلت، إذًا أحتاج إلى تعديل الخطة.
خامسًا:
اكتبي «من أنا؟» بعيدًا عن الإنجاز..
خذي
ورقة واكتبي:
ما
القيم التي أريد أن أعيش بها؟
ما
الأشياء التي أحب تعلمها فعلًا؟
ما
نوع الإنسان الذي أريد أن أكونه مع الآخرين؟
ما
المهارة التي لو أتقنتها ستفيدني بعد خمس سنوات؟
ما
الأشياء التي أفعلها لأنني أحبها، وليس لأثبت شيئًا للناس؟
هذه
الأسئلة تساعد على بناء Identity Development.
أنت
في مرحلة طبيعية جدًا من اكتشاف الهوية.. لا يجب أن تكوني قد عرفتِ كل شيء في
العشرين.
سادسًا:
اختاري بيئة تقلل المقارنة..
إذا
كان حساب معين يجعلك تشعرين كل مرة أنك أقل، فليس من الضروري أن تتابعيه يوميًّا. ليس
لأن صاحبة الحساب سيئة، بل لأن علاقتك أنت بالمحتوى أصبحت غير صحية. فيجب أن
تستخدمي وسائل التواصل كأداة، لا كمرآة تقيسين بها قيمتك.
وأخيرًا،
لا تنسي المعنى الإيماني الواقعي في قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ
نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، والنجاح ليس سباقًا جماعيًّا له صافرة واحدة.. ولكن
لكل إنسان ظروفه، وقدراته، وموعده، وطريقه.
وقال
تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فلاحظي: ما سعى، وليس: «ما
وصل إليه الآخرون»؛ لذلك ضعي نظامًا بسيطًا كل يوم، مثل:
مهمة
أساسية واحدة.
عادة
صغيرة واحدة.
شيء
ممتع واحد.
وفي
نهاية اليوم اكتبي: «ماذا فعلت اليوم، ولو كان صغيرًا؟»
بعد
شهر ستكتشفين أنك لم تقفي مكانك.
همسة
أخيرة:
يا
ابنتي، أنت لا تحتاجين إلى أن تصبحي «أفضل نسخة» منك غدًا، بل تحتاجين فقط إلى أن
تكوني نسخة أكثر صدقًا واتزانًا منك اليوم.
ولا
تسألي: «لماذا لم أصبح مثلهم؟»، واسألي: «ما الخطوة الصغيرة التي تجعلني أقرب إلى
نفسي التي أريدها؟».
ثم
توكلي على الله وامضي في طريقك بهدوء وثبات؛ فالنضج حبيبتي ليس قفزة.. وإنما حصاد
خطوات كثيرة.
روابط
ذات صلة:
ابنتي تقارن نفسها بكل البنات وتشعر بالنقص!
تقارن نفسها بالآخرين وتشعر بالدونية!!