الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : المراهقون
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 5151
23/06/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا خالة لفتاة تبلغ من العمر أربعة عشر عامًا، فقدت والدها قبل ثلاث سنوات بعد مرض طويل. كانت مرتبطة به ارتباطًا شديدًا، وقد تأثرت بوفاته كثيرًا، لكن مع مرور الوقت ظننا أنها تجاوزت الأزمة وأصبحت أكثر استقرارًا.
منذ أيام كانت والدتها ترتب غرفتها، فعثرت على دفتر كبير مليء بالرسائل. في البداية اعتقدت أنها مراسلات مع صديقاتها، لكنها فوجئت بأن جميع الرسائل مكتوبة بخط ابنتها.
الأغرب من ذلك أن الرسائل كانت عبارة عن حوارات كاملة بين شخصيات متعددة.
إحدى الشخصيات امرأة حكيمة أكبر منها سنًّا تقدم لها النصائح.
وشخصية أخرى تبدو كصديقة مقربة تسألها عن يومها وأحلامها.
وشخصية ثالثة تشجعها عندما تشعر بالحزن أو الفشل.
وعندما سألتها والدتها عن الأمر، أجابت بهدوء:
"أنا أعرف أنني أكتب كل هذه الرسائل بنفسي، لكن عندما أتحدث معهم أشعر أن هناك من يفهمني".
الفتاة متفوقة دراسيًّا، وليس لديها سلوكيات عدوانية أو مشكلات واضحة، لكنها تميل إلى العزلة أحيانًا، وتقضي وقتًا طويلًا في الكتابة.
والدتها تشعر بالخوف الشديد، وتتساءل: هل هذه بداية اضطراب نفسي؟ وهل يجب منعها من هذا السلوك؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته..
أختي
الفاضلة، بدايةً أود أن أطمئن الأسرة الكريمة إلى أن ما ورد في الاستشارة لا يشير
تلقائيًّا إلى وجود اضطراب نفسي خطير كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة.
فمن
الأخطاء الشائعة أن نفسر كل سلوك غير مألوف على أنه مرض نفسي، بينما علم النفس
التربوي يعلمنا أن نفهم وظيفة السلوك قبل أن نحكم عليه.
هذه
الفتاة مرت بتجربة فقد مؤلمة في سن صغيرة، ومن الطبيعي أن تترك مثل هذه التجربة
آثارًا عاطفية عميقة قد تستمر لسنوات.
ما
تقوم به الفتاة يشبه ما يُعرف في علم النفس بمفهوم Adaptive
Imaginative Coping أي التكيف التخيلي الإيجابي، وهو أسلوب يلجأ
إليه بعض المراهقين للتعامل مع المشاعر المعقدة أو الاحتياجات العاطفية غير
المشبعة.
كما
أن الكتابة نفسها تُعد وسيلة فعالة من وسائل Emotional
Regulation أو تنظيم المشاعر والانفعالات.
ومن
الملاحظ أن الشخصيات التي ابتكرتها الفتاة لا تدفعها إلى الأذى أو العدوان أو
الانعزال المرضي، بل تقوم بأدوار داعمة للغاية، مثل:
-
تمنحها التشجيع.
-
تساعدها على التعبير عن مشاعرها.
-
تقدم لها النصح.
-
تحتوي مخاوفها وأحزانها.
وهذا
يعطينا مؤشرًا مهمًّا على أن هذه الشخصيات تمثل جزءًا من حوارها الداخلي الذي
تحاول من خلاله سد احتياج عاطفي أو الحصول على دعم نفسي تفتقده أحيانًا.
ومع
ذلك، فإن دور الأسرة لا يقتصر على الاطمئنان فقط، بل ينبغي مساعدتها على إيجاد
مصادر دعم حقيقية ومتوازنة.
لذلك
أنصح بما يلي:
١-
عدم السخرية من هذه الرسائل أو التقليل من شأنها.
٢-
عدم مصادرة دفاترها أو تمزيقها.
٣-
تشجيعها على الاستمرار في الكتابة بوصفها وسيلة صحية للتعبير.
٤-
تخصيص أوقات منتظمة للحوار الهادئ معها.
٥-
إشراكها في أنشطة اجتماعية وهوايات جماعية.
٦-
تعزيز علاقاتها الواقعية مع أفراد الأسرة والصديقات.
٧- الحديث عن والدها الراحل بطريقة دافئة ومتوازنة تسمح لها
بالتعبير عن مشاعرها دون خوف أو حرج.
وقد
قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم
مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، والصبر هنا لا
يعني كتمان المشاعر أو إنكار الألم، وإنما التعامل معه بوعي واحتواء وإيمان.
وأود
أن أؤكد أن بعض المراهقين يملكون عالمًا داخليًا ثريًّا جدًّا، والكتابة قد تكون
بالنسبة إليهم جسرًا للتعافي والنضج النفسي؛ لذلك لا تتعاملوا مع الأمر بخوف أو
صدام، بل بفهم وقرب واحتواء.
أما
إذا صاحب ذلك انعزال شديد، أو تدهور دراسي، أو اضطراب واضح في إدراك الواقع،
فحينها يكون من المناسب استشارة مختص نفسي لإجراء تقييم مهني أدق.
همسة
أخيرة:
سامحيني
أن أطلب منك أن تبلغي والدتها بأن تحفظ أسرارها حتى تثق فيها ابنتها.. فكان من
الأفضل ألا تخبرك وأن تبادر هي باستشارتي؛ لأن الفتاة ذكية جدًّا وإن تبادر لها
أنها أخبرتك حتى لو كانت مرتبطة بك عاطفيا، إلا أن ذلك قد يسبب لها انتكاسة نفسية
وعدم ثقة.
أسأل
الله أن يربط على قلب هذه الفتاة، وأن يعوضها خيرًا، وأن يجعل أسرتها مصدر أمان
ودفء لها.
روابط
ذات صلة: