تكذب لتبدو مميزة أمام الآخرين!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : المراهقون
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 12
  • رقم الاستشارة : 5385
22/07/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا خالة لفتاة عمرها خمسة عشر عامًا، وأكتب إليكم لأن أختي (والدتها) لا ترى أن الأمر يستحق القلق، بينما أشعر أنا أن المشكلة تكبر يومًا بعد يوم.

ابنة أختي ليست سيئة الأخلاق، ولا تؤذي أحدًا، لكنها منذ أكثر من سنة بدأت تحكي قصصًا غير حقيقية عن نفسها.

فتقول لزميلاتها إن والدها اشترى لها أشياء لم يشترها، وإنها سافرت إلى أماكن لم تزرها، وإن أحد المشاهير رد عليها شخصيًّا، وإنها تتلقى عروضًا للمشاركة في أعمال فنية، وإنها الأولى على المدرسة، مع أن الحقيقة ليست كذلك.

في البداية ظننا أنها مجرد مبالغات، لكن الأمر أصبح متكررًا، حتى إن بعض قريباتنا بدأن يكتشفن الحقيقة ويحرجنها.

المشكلة أنها إذا واجهناها بهدوء، لا تعترف بالكذب، بل تحاول اختلاق قصة جديدة لتبرر القصة الأولى.

ولاحظت شيئًا آخر، أنها إذا حضرت مناسبة عائلية، تحاول أن تجعل الحديث كله يدور حولها، وإذا لم يهتم بها أحد، تنعزل وتظل صامتة.

هي جميلة، ومهذبة، وناجحة دراسيًّا بدرجة جيدة، لذلك لا أفهم لماذا تشعر أنها تحتاج إلى اختراع حياة أخرى تعيشها أمام الناس.

أخشى أن تكبر وهي لا تعرف قيمة الصدق، أو أن تفقد ثقة الناس فيها.. فكيف نتعامل معها دون أن نجرحها؟

الإجابة 22/07/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

 

أشكرك أختاه لأنك نظرتِ إلى ما وراء السلوك، ولم تكتفي بالحكم عليه.

 

فكثير من الناس عندما يرون مثل هذه الفتاة يقولون مباشرة: "إنها كذابة"، بينما المستشار التربوي يسأل سؤالًا مختلفًا: "ما الحاجة النفسية التي تحاول هذه الفتاة أن تشبعها من خلال الكذب؟"

 

وهنا يبدأ العلاج الحقيقي.

 

أولًا: ليس كل كذب سببه سوء الأخلاق..

 

هناك فرق بين الكذب الذي يقصد به الإضرار بالآخرين، وبين الكذب الذي يكون محاولة لتعويض شعور داخلي بالنقص أو بعدم الكفاية.

 

ومن وصفك، يغلب على ظني أن ابنة أختك لا تبحث عن مكسب مادي، وإنما تبحث عن الإعجاب والانتباه والقبول.

 

وفي علم النفس يسمى ذلك أحيانًا بـ"السلوك الباحث عن القبول والاستحسان". فالفتاة تشعر - بوعي أو دون وعي- أن حقيقتها العادية لن تجذب اهتمام الآخرين، فتضيف إليها أحداثًا وبطولات ليست موجودة.

 

ثانيًا: قد تكون المشكلة في "الصورة الذاتية"

 

وهناك فرق بين:

 

(تقدير الذات) Self-Esteem.

 

و(الصورة الذهنية عن الذات) Self-Image.

 

قد يكون الإنسان ناجحًا فعلًا، لكنه لا يرى نفسه جديرًا بالاهتمام. وحينها يبدأ في صناعة صورة خيالية يتمنى أن يكونها. لذلك لا تنشغلوا بمحاربة الكذبة وحدها، بل ابحثوا عن الجرح الذي جعلها تحتاج إليها.

 

ثالثًا: انتبهوا لطريقة المدح داخل الأسرة..

 

بعض الأسر -دون قصد- لا تمدح أبناءها إلا إذا حققوا إنجازًا استثنائيًّا. فتنشأ الفتاة وهي تشعر أن الشخص العادي لا يلتفت إليه أحد.

 

ومن هنا تبدأ في اختراع أحداث استثنائية حتى تحصل على نفس الاهتمام، وهذا ما يسمى في التربية Conditional Acceptance، أي القبول المشروط.

 

بينما الأبناء يحتاجون إلى Unconditional Positive Regard، أي التقبل غير المشروط، وهو مفهوم أكده عالم النفس كارل روجرز، ويعني أن يشعر الإنسان أنه محبوب لذاته، مع تصحيح أخطائه دون ربط قيمته بها.

 

رابعًا: لا تفضحوها إذا اكتشفتم الكذب..

 

من أكبر الأخطاء أن يتم كشفها أمام الآخرين أو السخرية منها؛ لأن ذلك قد يدفعها إلى مزيد من الإنكار والكذب لحماية صورتها.

 

اجلسوا معها منفردة، وقولوا لها مثلًا: "نحن لا نقلق لأنك أخطأت، بل لأننا نحب شخصيتك الحقيقية أكثر من أي قصة يمكن أن تروى عنها".. هذه الرسالة تُشعرها بالأمان بدلًا من التهديد.

 

خامسًا: أعطوها فرصًا لتشعر بالتميز الحقيقي..

 

شجعوها على:

 

تعلم مهارة جديدة.

 

ممارسة هواية.

 

المشاركة في عمل تطوعي.

 

تحمل مسؤولية داخل الأسرة.

 

فالإنجاز الحقيقي يقلل الحاجة إلى الإنجاز الوهمي. وهذا يعزز لديها الدافعية الداخلية، ويُنمّي الشعور الحقيقي بالجدارة.

 

سادسًا: ذكروها بلطف بقيمة الصدق..

 

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، وقال النبي ﷺ: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر..." (إلى آخر الحديث).

 

لكن ليكن الحديث عن الصدق مقرونًا بالرحمة، لا بالخوف فقط، حتى لا يتحول إلى وعظ تسمعه أذنها ولا يلامس قلبها.

 

* وسوف أقدم أيضا لكم كعائلة، خطوات عملية معها:

 

- امدحوها على صفاتها الحقيقية، لا على المبالغات.

 

- خصصوا لها وقتًا للحديث دون منافسة مع أحد.

 

- لا تجعلوا كل جلسة عائلية محاكمة لما قالته.

 

- وإذا روت قصة صحيحة، أظهروا اهتمامكم بها، حتى تدرك أن الحقيقة وحدها تستحق الإصغاء.

 

إذا استمر السلوك بصورة ملحوظة وأثر في علاقاتها أو دراستها، فاستشارة أخصائية نفسية ستكون خطوة وقائية نافعة لها ولكم جميعا بإذن الله تعالى.

 

* همسة أخيرة:

 

بعض الأبناء لا يحتاجون إلى أن نخبرهم أنهم رائعون، بل يحتاجون أن نُشعرهم أن حقيقتهم تكفي. فالإنسان الذي يطمئن إلى أن قيمته لا تعتمد على إبهار الناس، لن يضطر إلى ارتداء أقنعة، ولن يرهق نفسه في صناعة حياة ليست حياته.

 

روابط ذات صلة:

بنتي كذابة درجة أولى!!!

طفلي كذاب.. كيف أتعامل معه؟!

طفلي يكذب كثيرًا.. هل من علاج؟!

ابني الكذاب.. كيف أُقوِّم سلوكه؟!!

تشتت وكذب وإدمان إلكتروني.. معاناتي مع ابني الجامعي!

الرابط المختصر :