بعد سنوات الغُربة.. كيف نسُدُّ الفجوة العاطفية مع الأبناء؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : المراهقون
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 21
  • رقم الاستشارة : 5123
21/06/2026

السلام عليكم، كنت مغتربا للعمل عدة سنوات بدون أسرتي، فلما رجعت بشكل نهائي وجدت الحياة مختلفة في كل شيء، حتى أولادي أصبحوا مختلفين، وانتظرت فترة طويلة حتى يتم اعتيادهم على وجودي ويتقبلوا مني أي حوار، ولكن رغم كل ذلك لا أستطيع أن أجمعهم على أمر يخصنا من أمور الدنيا أو أمور الطاعات والعبادات، حيث الرفض هو سيد الموقف في كل حالة ودون نقاش أو حوار، مع أني أحاول جاهدا أن ألبي لهم احتياجاتهم الحياتية من دراسة ومأكل وملبس.

أشيروا علي ماذا أفعل حتى يجتمع شملنا على أمر دنيوي أو أمر من أمور العبادات والطاعات، كقراءة القرآن أو جلسة إيمانية؟

الإجابة 21/06/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يُقر عينك بصلاح أولادك، وأن يجمع شملكم على الهدى والتقى، وأن يؤلِّف بين قلوبكم، ويزيل هذه الجفوة، وأن يجزيك خير الجزاء على كفاحك وسعيك في طلب الرزق الحلال لتأمين حياة كريمة لأسرتك، وبعد...

 

ضريبة الاغتراب

 

أخي الحبيب، قبل أن نبدأ في وضع الحلول، لا بد أولًا من أن نفهم طبيعة المشكلة وجوانبها النفسية والاجتماعية. إن ما تعانيه الآن هو -مع الأسف- ضريبة يدفعها كل المغتربون بعيدًا عن أولادهم سعيًا من أجل الرزق. إن جدارًا سميكًا بُنِيَ بينك وبينهم عبر سنوات الغياب، بينما كنت مسافرًا تبني لهم مستقبلهم المادي. ففي هذه الأثناء، كانت هناك حياة كاملة تتكون في غيابك؛ عواطف، وعادات، وطرق تفكير، ومنظومة إدارة يومية تولتها الأم منفردة، أو استقاها الأولاد من مجتمعهم وأقرانهم.

 

وحين عدتَ بشكل نهائي، عدتَ بقلب الأب المشتاق الذي يريد أن يمارس دوره التربوي والتوجيهي، والمسؤول الذي يريد الاطمئنان على آخرة أولاده ودنياهم. لكن الأولاد، في المقابل يرون في هذا الحضور الفجائي سلطة جديدة تحاول تغيير الوضع القائم الذي اعتادوا عليه لسنوات.

 

إنهم يا أخي لا يرفضونك أنت؛ بل يرفضون التغيير المفاجئ، ويفتقدون العاطفة التي تجعلهم يتقبلون منك الأمر والنهي.

 

إن تلبية الاحتياجات المادية من مأكل وملبس ودراسة -رغم عظم أجرها- لا تبني وحدها الطاعة والامتثال، فالتربية صلة قبل أن تكون نفقة.

 

الرفق واللين مقدَّمان على الحزم

 

إن أولادك الآن في حالة نفور وتوجس، وأي محاولة لفرض الرأي بالقوة أو إظهار الغضب لرفضهم الطاعات سيزيد الفجوة اتساعًا. تذكر قول الله -عز وجل- لرسوله الكريم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. فإذا كان الناس سينفضون من حول الرسول المؤيَّد بالوحي لو كان فظًّا، فكيف بأولاد نشؤوا بعيدًا عن عين أبيهم؟

 

وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [رواه مسلم].

 

التدرج في البناء والتغيير

 

إن بناء الصلة مع أبنائك حاليًّا يحتاج إلى أمد طويل وتدرُّج. فالعبادات والطاعات لا تُفرض جملة واحدة على نفوس لم تتعود عليها ولا على الداعي لها بعد.

 

لقد تدرج الوحي في تحريم الخمر على مراحل حتى تستجيب النفوس، وتعتاد ترك ما ألفته، فكيف بأطفال أو شباب اعتادوا اللهو واللعب، أن يجلسوا فجأة في «جلسة إيمانية» يرونها عبئًا ثقيلًا عليهم، أو حتى عقابًا لهم؟!

 

أخي العزيز، إن أولادك قبل التوجيه والإرشاد وإلقاء الأحكام والتوجيهات، يحتاجون منك أولًا إلى الاحتواء والاقتراب جسديًّا ونفسيًّا. يحتاجون منك إلى حضن، إلى ابتسامة، إلى جلسة استماع لاهتماماتهم التافهة في نظرك، والمهمة في نظرهم.

 

وحين تلمس تحسنًا وتجاوبًا في علاقتك بهم، لا تقفز فورًا إلى جلسة إيمانية مدتها ساعة؛ بل ابدأ بـلمحات تربوية سريعة. مثلًا: عند تناول الطعام جماعة، قل قبل القيام: «سمعت اليوم حديثًا جميلًا للنبي ...» واذكر الحديث في دقيقة واحدة وبأسلوب قصصي مشوق، ثم اختم بابتسامة وقُم. أو اطلب من أحدهم بصوت حانٍ: «أريد أن أصلي المغرب خلفك اليوم مأمومًا، لأسمع صوتك الجميل في القرآن». أي: اجعل الطاعة سهلة، خفيفة، ومقترنة بالمدح والثناء.

 

الخلاصة: تحتاج إلى إيداع «رصيد عاطفي» لديهم، يساندك وتنفق منه فيما تريد أن تفعله وتبنيه معهم، ويجعلهم يبحثون عنك ليتحدثوا معك، ويشاركوك في أي نشاط، ويتسابقون لإرضائك وطاعتك.

 

التربية بالحب والقدوة لا بالأمر

 

توقف تمامًا في هذه الفترة عن محاولة جمعهم بالقوة أو بالأمر على قراءة القرآن أو الجلسات الإيمانية. صلِّ أنت أمامهم بخشوع، واتلُ القرآن بصوت حسن مسموع في أرجاء البيت دون أن تطلب منهم الانضمام إليك. اجعلهم يرون أثر الطاعة في وجهك وبشاشتك وحلمك معهم.

 

إن القدوة الصامتة لها أثر السحر في جذب النفوس أسرع من الكلمات.

 

النزول إلى عالمهم ومشاركتهم اهتماماتهم

 

تقول إن الرفض منهم هو سيد الموقف، وهذا لأنهم يخشون أن تكون هذه التجمعات بابًا للمحاسبة أو الوعظ. فاكسر هذا الحاجز؛ اسألهم عن اهتماماتهم، شاركهم في وجبة طعام يحبونها خارج المنزل إن أمكن، خطط لرحلة ترفيهية خالية تمامًا من النصائح والتوجيهات، رحلة يكون هدفها الوحيد هو الضحك واللعب وبناء ذكريات سعيدة تجمعك بهم. وأكرر: املأ رصيدك العاطفي لديهم لتستطيع السحب منه لاحقًا.

 

الاستعانة بالأم

 

الأم هي مفتاح البيت، فلا بد من جلسة خاصة ومطولة مع زوجتك، بعيدًا عن الأولاد، تشرح لها حجم المشكلة وتطلب عونها؛ لكن تجنبًا أن تظهر أنت بمظهر «الشرطي»، وتظهر هي بمظهر «الملاذ». اطلب منها التعاون معك، واتفق معها على أن تمهد لك الطريق، وتمدحك أمامهم، وتذكِّرهم بتضحياتك في الغربة من أجلهم، وأن تساعدك في دفعهم إليك برفق وحب.

 

ولكن يجب عليكما قبل ذلك أن تحُلَّا أي مشكلة خاصة بينكما –إن كانت هناك مشكلات- لتكونا على قلب واحد في التعامل مع أبنائكما.

 

الحوارات الوجدانية الثنائية:

 

من الأخطاء التربوية محاولة حل المشكلات الأسرية بحضور كل أعضاء الأسرة؛ لأن الأولاد يستقوي بعضهم ببعض في الرفض والتمرد. وبدلًا من ذلك استخدم الحوارات الثنائية. مثلًا: خذ ابنك الأكبر في جولة خارج المنزل، أو تناول مشروبًا مع ابنتك بمفردها في غرفتها. وفي هذا اللقاءات الفردية، لا تعاتب، بل قل ما معناه: «يا بني، أنا عشت سنوات غريبًا لأجلكم، وأشعر اليوم بأني غريب بينكم، وأنا أحتاج مساعدتك لنقترب بعضنا من بعض". هذه المكاشفة الوجدانية تذيب الصخور في قلوب الأبناء.

 

وختامًا أخي الكريم، إن تربية الأبناء جهاد، وجهاد المغترب العائد مضاعف، فلا تبتئس ولا تحزن، وتذكَّر أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. ما تجده اليوم هو جدار وهمي سيتشقق ويتهاوى -بإذن الله- أمام صبرك وحلمك عليهم، وحبك لهم.

 

لا تجعل الشيطان يدخل إليك من باب اليأس؛ بل استمر في العطاء المادي والعاطفي، واحتسب كل خطوة تخطوها نحوهم في ميزان حسناتك عند الله.

 

يقول النبي: «إنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ» [رواه ابن حبان]، وأنت بحرصك وسؤالك هذا تثبت أنك حريص على الحفظ والرعاية، فأبشر بالخير والتوفيق من الله.

 

اللهم يا مؤلف القلوب، ألِّف بين قلب هذا الأب وقلوب أبنائه وبناته، واجعلهم قرة عين له في الدنيا والآخرة. اللهم أزل الجفوة من بينهم، واجعل بيتهم عامرًا بذكرك وطاعتك وحسن عبادتك. اللهم اهدِ أولاده وبناته، ووفقهم لما تحب وترضى، واجعلهم بارِّين به وبأمهم، واجمع شملهم على الحق والهدى والرحمة، يا حنان يا منان، يا ذا الجلال والإكرام، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

هل يمكن لرب الأسرة التربية عن بُعد؟

الثمن الفادح لاغتراب الزوج

الرابط المختصر :