الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الابتلاءات والمصائب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 5580
14/08/2026
أنا شاب 32 سنة، أعاني من عدم التوفيق في حياتي، أتممت دراستي بصعوبة، لم أتزوج حتى الآن، وخطبت عدة مرات، وكل مرة أفشل، وتقدمت لكثيرات ورفضوني، عملي غير مستقر، كلما دخلت في مشروع يفشل، وكلما شاركت أحدا خانني، حاولت السفر للخارج فتعقدت الإجراءات، غير المشاكل مع أبي وأمي.
شكوت هذا لصديق فقال إني معمول لي سحر بعدم التوفيق والتعطيل. فهل هذا صحيح؟ وكيف أتعالج وأخرج من هذه الحالة؟ أرجوكم ساعدوني.
مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك
بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يفرِّج همك، ويفك كربك، ويشرح صدرك، وأن يفتح لك
أبواب التوفيق واليسر والبركة من حيث لا تحتسب، وأن يرزقك الزوجة الصالحة، والعمل
الطيب، والسكينة مع والديك، وأن يكتب لك الخير حيثما كان ثم يرضيك به، وبعد...
فإن بلوغك هذه السن مع تراكم العثرات في
التعليم والزواج والعمل والعلاقات الأسرية؛ لا شك أنه قد يولِّد لديك شعورًا
بالإنهاك والاستنزاف النفسي. ولكن لنفهم سنن الحياة علينا أن ننظر إلى هذه العثرات
المتتابعة بوصفها «فرصة للمراجعة والتأمل» لا أنها حكم أبدي بالفشل.
هل ما تعاني منه هو سحر تعطيل؟
من السهل جدًّا؛ بل ومن المريح نفسيًّا في
كثير من الأحيان أن يعلِّق الإنسان التعثرات المتكررة على شماعة السحر أو العين أو
الحسد؛ لأن ذلك يعفي النفس من مسؤولية المراجعة الذاتية والإصلاح.
طبعًا أنا لا أنكر وجود السحر ولا العين،
فهما حق؛ لكن الإشكال يكمن في جعلهما تفسيرًا أوليًّا وأساسيًّا لكل عقبة يمر بها
الإنسان. إن الاستسلام لقول صديقك بأنك «معمول لك سحر» يدخلك في دوامة من العجز
النفسي والاستسلام السلبي؛ حيث ينتظر الإنسان معجزة خارجية بينما المعالجة
الحقيقية تبدأ من الداخل.
يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿مَا
أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ
مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22].
ويقول النبي ﷺ في وصيته الجليلة لابن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن الأمة لو
اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على
أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف»
[رواه الترمذي].
فما تتعرض له قد يكون: ابتلاءً لتمحيصك،
أو نتيجة طبيعية لغياب بعض الأسباب العملية، أو عقبة ناتجة عن خلل في بعض علاقاتك
بالناس، وليس بالضرورة سحرًا أو عينًا.
والداك.. مفتاح البركة الغائب
وأنا أقرأ رسالتك، وقفت عند إشارة عابرة
فيها، ولكنها في غاية الخطورة، وهي قولك: «غير المشاكل مع أبي وأمي»!
أخي الكريم، إن عقوق الوالدين أو وجود
الشقاق والجفاء معهما يعد من أعظم موانع التوفيق والرزق في الدنيا، غير عقاب
الآخرة. فقد يجتهد الإنسان في مشاريعه ويبذل أقصى وسعه؛ لكنه يواجه جدارًا
مسدودًا؛ لمجرد أن دعوة والديه عليه أو غضبهما يحجبان عنه بركة السماء.
قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا
الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [سورة العنكبوت: 8]. وقال النبي ﷺ: «رضا الرب
في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد» [رواه الترمذي]. وقال ﷺ أيضًا عن أثر
الصلة والبر في توسعة العيش: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره،
فليصل رحمه» [متفق عليه].
المراجعة الذاتية للأسباب العملية
أخي الفاضل، إن التوفيق الإلهي يرتبط
ارتباطًا وثيقًا بالأخذ بالأسباب والتخطيط السليم،
فتعالَ نراجع ونتأمل فيما رويت من مشكلات
وأزمات:
- التعثر في المشاريع وخيانة الشركاء: هل
كنت تدخل المشاريع بناءً على اندفاع عاطفي أم بناءً على دراسة جدوى واضحة؟ وهل كنت
توثق الشراكات شرعيًّا وقانونيًّا للوقاية من الخيانة والنزاع؟
- فشل الخطبة والرفض المتكرر: عدم
التوافق في الخطبة ليس شؤمًا ولا تعطيلًا، بل قد يكون صيانة من الله لك من زيجة
غير مناسبة. قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ
وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. كما يجب مراجعة الطريقة التي تتقدم
بها، وصفات من تتقدم لها ووضع أهلها، وهل يلائم ذلك ظروفك المالية والنفسية
الحالية أم لا.
- تعقد إجراءات السفر: التضييق
في السفر أو المعاملات كثيرًا ما يكون صرفًا لشر لم تكن تراه، أو دفعًا لك نحو
التركيز على بناء ذاتك في موقعك الحالي.
خريطة طريق للخروج من هذه الحالة
للخروج من هذه الأزمة وبدء مرحلة جديدة
يظللها بالتوفيق والتيسير، أوصيك بتطبيق هذه الخطوات التي تشمل محاور متعددة:
1- الرقية الشرعية: قطعًا
للشك، قم برقية نفسك بنفسك إن كنت تعلم الكيفية، أو استعن بقريب لك محب، أو بصديق
مخلص، أو أحد العلماء الموثوقين. وإياك أن تذهب لمشعوذ أو دجال أز ساحر. اقرأ سورة
الفاتحة، وآية الكرسي، وأواخر سورة البقرة، والمعوذتين، مع تشغيل سورة البقرة
كاملة في بيتك والاستماع إليها كثيرًا.
2- الاستغفار والتقوى: اجعل
الاستغفار وِردًا يوميًّا لازمًا. قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ
إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا *
وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل
لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10- 12]. وقال عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ
يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2
و3]. وقال النبي ﷺ: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هَم
فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» [رواه أبو داود].
3- إصلاح العلاقة مع الوالدين: اذهب
اليوم إلى والديك، وقبِّل أيديهما ورأسيهما، واسترضهما بكلمات طيبة، واطلب منهما
بوضوح وصراحة الدعم بالدعاء لك بالتوفيق. وإياك والجدال معهما حتى لو كنت ترى أنك
على حق، واعلم أن البر صبر وطاعة فيما لا معصية فيه لله.
4- إدارة المخاطر والتريث: لا
تدخل أي شراكة جديدة إلا بعد دراسة شخصية الشريك، وكتابة عقود قانونية موثقة تحفظ
حقوق الطرفين.
5- التركيز على العمل الثابت أولًا: بدلًا
من المغامرة في المشاريع، ابحث أولًا عن عمل مستقر -حتى لو كان بسيطًا- ليؤمِّن لك
دخلًا ثابتًا ويعيد إليك الثقة بالنفس.
6- تطوير المهارات: استثمر
هذه الفترة في تقوية مهاراتك المهنية واللغوية والتقنية، فالرزق يحتاج إلى وعاء
مستعد لاستقباله.
7- وضع تصور واقعي للزواج: أعد
ترتيب أولوياتك؛ استقر مهنيًّا ونفسيًّا أولًا، ثم أقدم على الخطبة بذهن صافٍ
واختيار قائم على الدين والخلق والتناسب الاجتماعي.
وختامًا أخي الكريم، أبشر بالخير، وتذكَّر
قول النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛
إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» [رواه
مسلم].
أسأل الله أن يجعل لك من كل ضيق مخرجًا
ومن كل بلاء عافية. اللهم أصلح بين أخينا وبين والديه، وارزقه رضاهما، وافتح له
أبواب الرزق الحلال، ويسِّر له أسباب الزواج والعمل الصالح، واكفِه بحلالك عن
حرامك وبفضلك عمن سواك، ولا تكله إلى نفسه ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين ولا أقل
من ذلك، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
روابط ذات صلة: