كيف ننجو من فخ مقارنة حياتنا بحياة الآخرين؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الابتلاءات والمصائب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 32
  • رقم الاستشارة : 4667
24/04/2026

أنا سيدة متزوجة، متعلمة لكني ربة منزل ولدي أبناء صغار. أُواجه مشاكل متكررة في حياتي: في الرزق، في الصحة، في العلاقات.

أمام الناس أقول دائمًا «الحمد لله»، لكن في داخلي أتضايق كثيرًا، وأعقد المقارنات بيني وبين أحوال الناس التي أراها في الحقيقة، وما ينشرونه على وسائل التواصل.

أشعر أحيانًا بأنني لستُ راضية فعلًا. أخشى أن أكون من الساخطين على قدر الله، ومن تأثير ذلك على إيماني، مع محافظتي على الصلاة والعبادات، فهل أنا بشعوري هذا أكون غير مؤمنة فعلًا؟

وكيف أتخلص من هذا الشعور ومن أسبابه؟

الإجابة 24/04/2026

27 كيف ننجو من فخ مقارنة حياتنا بحياة الآخرين؟

استشارة إيمانية

أ. فتحي عبد الستار

 

مرحبًا بك أختي الفاضلة، وأشكرك على تواصلك معنا، وبوحك بما يدور في خاطرك. أسأل الله أن يشرح صدرك، ويُيسر أمرك، ويملأ قلبك رِضًا وسكينة، وأن يبارك لك في رزقك وصحتك وأبنائك، ويجعلك من القانعات الراضيات بما قسم الله، وبعد...

 

فإن ما تمرِّين به -أختي الفاضلة- هو صراع إنساني طبيعي، يقع فيه كثيرون في ظل ضغوط الحياة المعاصرة وبريق المظاهر الزائفة.

 

إن الشعور بالضيق مع وجود الابتلاءات ليس بالضرورة دليلًا على ضعف الإيمان ولا الخروج من دائرة الرضا؛ بل هو طبيعة بشرية تغلبت عليها الوساوس أحيانًا. وسؤالك هذا وخوفك من السخط هو في حد ذاته أمارة خير، وعلامة على حياة قلبك ومراقبته لله عز وجل.

 

هل أنت غير مؤمنة؟

 

أطمئنك أختي الفاضلة بأن شعورك بالخوف من السخط هو دليل على وجود الإيمان في قلبك، وليس العكس. فالمرء لا يخاف على إيمانه إلا إذا كان يعتز به. لقد كان الصحابة الكرام -وهم سادة المؤمنين- يخشون على أنفسهم النفاق، وهذا القلق الذي يساورك ينبغي أن يدفعك للاجتهاد أكثر، والإحسان أكثر.

 

أما بالنسبة للصراع بين قول «الحمد لله» باللسان والشعور بالضيق في القلب، فهو لا يعني بالضرورة عدم الرضا بالقدر، بل هو صبر تؤجرين عليه. فالرضا درجة عالية، أما الصبر فهو الواجب، وأنت بمجاهدتك لنفسك والتزامك بالعبادات رغم الضيق، تقومين بعمل عظيم.

 

يقول الله -تعالى- في وصف المؤمنين عند الابتلاء: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ والأَنفُسِ والثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155 و156]. فالله لم يقل إنهم لم يحزنوا أو لم يتضايقوا؛ بل أثنى على صبرهم وتسليمهم رغم الألم.

 

فخ المقارنات ووسائل التواصل

 

إن أكبر مفسدٍ للسكينة في عصرنا هو المقارنة. واعلمي يا أختي أن ما ترينه على وسائل التواصل ليس هو الحقيقة الكاملة، بل هو مجرد «لقطات مختارة» من أفضل لحظات الناس. فلا أحد -في العادة- ينشر صورته وهو يبكي، أو وهو يواجه ضائقة ما، أو وهو يتألم من مرض... إلخ، وإن كان البعض مع الوقت بدأ يشارك كل تفاصيل حياته بحُلوها ومُرها مع الآخرين على وسائل التواصل، فلا تنظري إلى جانب واحد فقط من قصص الناس؛ واعلمي أن هناك جوانب أخرى -هي الأكثر- غائبة عنك، يحرصون على إخفائها.

 

يقول النبي: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» [رواه مسلم].

 

تخيلي سيدة ترى على «إنستغرام» -مثلًا- صورة لصديقتها في مطعم فاخر، فتمتلئ غيرةً وضيقًا، وهي لا تعلم أن تلك الصديقة ربما كانت تعاني من مشكلة أسرية طاحنة في حياتها، أو أنها تقضي بعض لياليها في كمد لا يعلمه إلا الله. إننا نقارن «كواليسنا» المظلمة بـ«عروض» الآخرين المضيئة، وهذه مقارنة ظالمة وغير منطقية.

 

مفهوم الرزق الواسع

 

لقد ذكرتِ أنك تواجهين مشكلات في الرزق والصحة والعلاقات. وهنا يجب أن نعيد تعريف الرزق، فالرزق ليس مالًا فقط، فهناك:

 

- رزق الأبناء: كونك أُمًّا، فهذا رزقٌ يُحرَم منه الملايين.

 

- رزق العِلم: كونك متعلمة، فهذا عطاء لا يقدر بثمن.

 

- رزق الدين: محافظتك على الصلاة وعلى دينك في زمنٍ كثرت فيه الفتن، هي أعظم الأرزاق على الإطلاق.

 

رُوي عن أحد الصالحين أنه دخل على رجل يشكو الفقر والضيق، فقال له الصالح: «أيسرُّك أنك أعمى ولك مائة ألف درهم؟» قال: لا. قال: «أيسرُّك أنك أخرس ولك مائة ألف درهم؟» قال: لا. قال: «أيسرُّك أنك مقطوع اليدين والرِّجلين ولك مائة ألف درهم؟» قال: لا. فقال الصالح: «أرى عندك مئات الألوف من الدنانير وأنت تشكو الفقر!».

 

خطوات عملية للتخلص من هذا الشعور

 

1- اعتزال المنصات المزعجة: إذا كانت وسائل التواصل تسبب لك ضيقًا، فخففي منها أو اعتزليها تمامًا لفترة. إن صحتك النفسية وإيمانك أولى من متابعة أخبار الآخرين.

 

2- تذكُّر النِّعم: كل ليلة قبل النوم، تذكري ثلاثة أشياء جميلة حدثت في يومك، مهما كانت بسيطة (ضحكة طفلك، كوب قهوة بهدوء، صلاة بخشوع). فإن هذا يدرب عقلك على رؤية النعم التي ينسيها الاعتياد، وتشعرين بالامتنان لوجودها.

 

3- الدعاء بقلب حاضر: لا تكتفي بكلمة «الحمد لله» كعادة وقول خالٍ من الروح؛ بل قوليها وأنتِ تستشعرين معنى أن الله عصمك من بلاءٍ أشد. ادعي دائمًا: «اللهم رضِّني بقضائك، وبارك لي في قدَرك».

 

4- استحضار الأجر: تذكَّري قول النبي: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» [رواه مسلم].

 

وختامًا أختي الفاضلة، إن الله لا ينظر إلى صورنا ولا إلى أموالنا؛ بل ينظر إلى قلوبنا. واعلمي أن الابتلاء ليس علامة سخط من الله؛ بل قد يكون علامة حب ليسمع صوتك وأنت تدعينه بيقين.

 

أحسبك مؤمنة، صابرة، ومجاهدة لنفسك، فلا تتركي للشيطان ثغرة يفسد بها علاقتك بربك. استمري في صلاتك، وفي قولك: «الحمد لله»، ومع الوقت والمجاهدة، سيسكن هذا الحمد في قلبك ويتحول إلى برد وسلام.

 

أسأل الله أن يبدل ضيقك فرحًا، وسخطك رِضًا، اللهم آمين.

 

روابط ذات صلة:

هل ثقافة المقارنة وراء ازدياد الطلاق؟

ابنتي تقارن نفسها بكل البنات وتشعر بالنقص!

الرابط المختصر :