كيف نحافظ على سلامة نفوسنا في زمن الحرب؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الابتلاءات والمصائب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 103
  • رقم الاستشارة : 4281
05/03/2026

أشعر باستنزاف نفسي كبير نتيجة المتابعة المستمرة لأخبار الصراعات والحروب في منطقتنا. وأجد نفسي غارقًا لساعات في مقاطع الفيديو والتحليلات، مما أصابني بالعجز واليأس والقلق، وفقدت القدرة على التركيز في عملي أو عبادتي.

كيف أحافظ على ثباتي النفسي؟ وأوازن بين اهتمامي بقضايا أمتي وبين الحفاظ على سلامة نفسي وعقلي من الانهيار؟

الإجابة 05/03/2026

مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، وينزل عليك سكينة من عنده، وأن يغمرك بالطمأنينة والأمان، ويصرف عنك كيد الشيطان ووساوس القلق، وبعد...

 

فإن ما تشعر به يا أخي من ضيق وحزن هو مصداق لقول النبي ﷺ: «مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مَثَلُ الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [رواه مسلم]. لكن، حين يتحول هذا الشعور إلى عجز يمنعك عن العبادة والعمل، هنا نكون قد دخلنا في دائرة الحزن المذموم الذي كان النبي ﷺ يستعيذ منه صباح مساء بقوله: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل» [رواه البخاري].

 

فإليك هذه الخطوات التي أسأل الله –عز وجل- أن يجعل فيها إن اتبعتها ترميمًا لنفسك واستعادة لتوازنك:

 

1- التحرر من «ذنب العجز»

 

الشيطان يدخل للإنسان من باب العجز ليقنعه أنه مقصر، فيغرقه في لوم الذات حتى ينقطع عن العمل. فتذكر أن الله –تعالى- يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. فأنت لست مطالبًا بحل صراعات العالم بضغطة زر؛ بل أنت مطالب بما تحت يدك. اليأس الذي تشعر به هو استنزاف سلبي، بينما المطلوب هو الاهتمام الإيجابي.

 

انظر -مثلًا- في غزوة الخندق، كان الصحابة يعيشون وضعًا كارثيًّا من الجوع والبرد والخوف، لدرجة أن القرآن وصف حالهم: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: 10]. ورغم ذلك، لم يستسلم النبي ﷺ لليأس، بل كان يبشرهم بفتح مدائن كسرى وقيصر.

 

2- ترشيد التعرض للأخبار

 

المتابعة المستمرة لساعات طويلة للأخبار في القنوات والمواقع ومشاهدة مقاطع الفيديو تسبب إجهادًا عظيمًا للعقل والقلب، ويزيد من شعور الألم والعجر. لذا أنصحك بتحديد وقت لمتابعة الأخبار لا تتجاوزه، وليكن من مصادر موثوقة، ولا تجعلها أول ما تراه في الصباح، وآخر ما تراه قبل نومك. ودعك من المتابعة اللحظية عبر إشعارات تطبيقات الأخبار عبر الهاتف.

 

3- تحويل الألم إلى عمل

 

بدلًا من الغرق في تحليلات الأحداث التي لا تملك تغييرها، ركِّز على الثغرة التي تقف عليها: إتقانك لعملك، وتربيتك لأبنائك، وصلاتك وعباداتك... إلخ. يقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]. فهذا هو ما ستسأل عنه أمام الله.

 

4- افزع إلى الصلاة

 

عندما تضيق الدنيا، كان النبي ﷺ يفزع إلى الصلاة، ويقول: «أرحنا بها يا بلال» [رواه أبو داود]. فلا تجعل هموم الأمة تقعدك عن الصلاة، بل اجعل الصلاة هي المكان الذي تفرغ فيه همومك لربك ورب هذه الأمة، ورب هذا العالم كله. وبدلًا من قضاء ساعات في متابعة الأخبار ومشاهدة التحليلات، اقضِ دقائق في أوقات الإجابة تدعو فيها الله -عز وجل- دعاء المضطر بصدق ويقين، بأن يصلح حالك وحال عباده، وأن ينصر المؤمنين، ويخزي الكافرين، فسبحانه القائل: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62].

 

5- اليقين بحكمة الله ووعده

 

يجب أن تؤمن يقينًا بأن هذا الكون له إله يدبره، وأن ما يحدث ليس عبثًا، بل هو لحكمة قد تخفى علينا الآن. اقرأ سورة الكهف وتأمل في قصة موسى والعبد الصالح، وكيف أن أحداث خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الحائط (التي بدت شرًّا) كانت قمة الخير لأصحابها. ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].

 

وختامًا أخي الكريم، إن دينك وأمتك لا ينتظران منك أن تنهار؛ بل ينتظران منك أن تكون قويًّا، معافى في عقلك ونفسك، لتبني وتنتج وتدعو. أغلق هاتفك الآن، وتوضأ، وصلِّ ركعتين بنية السكينة، ثم عد لعملك وأنت موقن بأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

اللهم يا منان، يا ذا الجلال والإكرام، أنزل على قلب عبدك سكينة وطمأنينة من لدنك. اللهم اشفِ صدره، وأذهب غيظ قلبه، وأرِهِ الحق حقًّا وارزقه اتباعه، وأرِهِ الباطل باطلًا وارزقه اجتنابه. اللهم اجعله مباركًا أينما كان، واستعمله ولا تستبدله، واجمع قلبه على طاعتك وحسن عبادتك، واكفهِ هموم الدنيا والآخرة. اللهم آمين.

 

روابط ذات صلة:

في زمن الحرب.. كيف ننتقل من الخوف المربك إلى اليقين المثمر؟

أخاف كثيرًا على عائلتي من الحرب.. ماذا أفعل؟

الرابط المختصر :