ترفض التفاعل في المناسبات الاجتماعية!!!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : المراهقون
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 18
  • رقم الاستشارة : 5886
20/09/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته د. أميمة..

أنا والد فتاة عمرها ١٣ عاما، ومنذ فترة أصبحت ترفض المشاركة في المناسبات العائلية. إذا ذهبنا إلى زيارة أقارب، تجلس وحدها ولا تتحدث، وإذا طلب منها أحد أن تسلم أو تشارك في الحديث تقول إنها لا تحب الكلام.

أحيانا أشعر أنها تتعمد إحراجنا، خصوصا عندما يقارنها الأقارب ببنات في سنها أكثر اجتماعية. أنا لا أريد أن أضغط عليها، لكن أخشى أن تصبح منعزلة عن الناس. هل أجبرها على الاختلاط حتى تتعود، أم أتركها كما تريد؟

الإجابة 20/09/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

 

أستاذي الكريم، قبل أن نبحث عن طريقة تجعل ابنتك "أكثر اجتماعية"، نحتاج أولا أن نسأل سؤالاً مختلفًا: هل ابنتك بالفعل تعاني من مشكلة اجتماعية، أم أنها فقط تمتلك طبعًا هادئًا وطريقة مختلفة في التفاعل؟

 

هذه نقطة جوهرية؛ لأن بعض الأطفال والمراهقين يتمتعون بما يسمى Introversion الميل للهدوء والانطواء الاجتماعي النسبي، وهذا لا يعني بالضرورة وجود اضطراب أو ضعف في الشخصية. الشخص الهادئ قد يحب الناس، لكنه لا يحب كثرة التفاعل أو الضوضاء أو الحديث أمام مجموعة كبيرة. المشكلة تبدأ عندما نخلط بين الهدوء وبين العجز الاجتماعي.

 

في عمر ١٣ عامًا وما قبل ذلك تبدأ مرحلة مهمة من Identity Formation أو تشكل الهوية، ويصبح رأي الآخرين أكثر حساسية بالنسبة للمراهق. لذلك فإن كثرة المقارنات في هذه المرحلة قد تجعل الطفل أكثر تحفظًا، لا أكثر اجتماعية.

 

عندما يقول قريب أمامها: "بنت فلان بتتكلم وبتسلم على الناس، إنتِ ليه كده؟"، قد لا نرى أثر العبارة في لحظتها، لكن الفتاة قد تخرج منها برسالة داخلية: "أنا مختلفة، وأنا غير مقبولة كما أنا".

 

لذلك فعليكم بالآتي:

 

أولا: أوقفوا المقارنات تمامًا.

 

ثانيًا: لا تحولوها إلى "مشروع اجتماعي" أمام العائلة. لا تقول أمام الناس: "هي خجولة"، ولا تشرح لماذا لا تتحدث. لأن هذا قد يزيد Self-Consciousness وهو الوعي الزائد بالذات، ويجعلها تراقب نفسها باستمرار: هل سلمت جيدًا؟ هل صوتي واضح؟ هل الناس لاحظوا أنني ساكتة؟

 

بدلاً من ذلك، أعطها مهارات صغيرة قابلة للتطبيق. مثلا قبل المناسبة اتفقوا معها على هدف بسيط جدًّا: أن تسلم على ثلاثة أشخاص، أو تجلس عشر دقائق مع الأسرة، أو تسأل قريبة سؤالاً واحدًا. فلا نريد منها أن تتحول فجأة إلى شخصية اجتماعية.

 

هذه الطريقة تعتمد على Gradual Exposure أو التعرض التدريجي، أي الانتقال خطوة خطوة من المواقف الأسهل إلى الأصعب.

 

ثالثًا: تحدث معها خارج وقت المناسبة، وبعيدًا عن النقد، وقل لها: "أنا ملاحظ إن التجمعات مش مريحة ليك، وعايز أفهم: إيه أكتر حاجة بتضايقك؟ الكلام مع الناس؟ الأسئلة؟ التعليقات؟ الزحمة؟ ولا بتحسي إنك مش عارفة تقولي إيه؟".

 

قد نكتشف أن المشكلة ليست في الناس أصلاً، وإنما في سؤال متكرر عن الدرجات، أو تعليقات على شكلها، أو إحساسها بأن الأقارب يراقبونها.

 

وهنا يظهر مفهوم Social Anxiety أو القلق الاجتماعي. وينبغي ألا نطلق هذا المصطلح على كل طفل هادئ، لكن إذا كانت تخاف بشدة من التحدث، أو تتجنب مواقف كثيرة بسبب خوف من تقييم الآخرين، أو تظهر عليها علامات انزعاج واضحة، فهنا نحتاج إلى تقييم أعمق.

 

رابعًا: ساعدوها في بناء دوائر اجتماعية مناسبة لطبيعتها. ليس ضروريًّا أن يكون لديها عشرات الصديقات. أحيانًا صديقة أو اثنتان تشعر معهما بالأمان أفضل تربويًّا من إجبارها على عشرات العلاقات السطحية.

 

خامسًا: دربوها على مهارات الحوار في البيت بصورة طبيعية، مثل: كيف تبدأ الحديث، كيف تسأل سؤالاً، كيف تعبر عن رأيها، كيف تختلف بأدب، وكيف تنهي الحديث. هذه مهارات Social Skills Training وهو التدريب على المهارات الاجتماعية، ويمكن تعلمها دون تحويل المنزل إلى فصل دراسي.

 

أما إجبارها على الكلام أمام الجميع، فأنا لا أنصح به كحل دائم؛ لأن الضغط قد يجعل المناسبة مرتبطة لديها بالتوتر والإحراج.

 

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا يتحول احترام طبيعتها إلى تركها تنسحب من كل موقف. فالتربية المتوازنة تقول: "أنا أحترم هدوءك، لكن سأساعدك أيضًا على امتلاك المهارات التي تحتاجينها".

 

قال الله تعالى: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا"، فالمطلوب حسن التعامل، وليس كثرة الكلام. كما قال النبي: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، والمعنى التربوي هنا ليس إجبار الطفل على الاختلاط بلا حدود، وإنما تعليمه القدرة على التعامل مع الناس والصبر على المواقف الاجتماعية بصورة متزنة.

 

وأرجو من حضرتك أيضًا أن تمدح السلوك المحدد، لا الشخصية بشكل مبالغ فيه. فبدلاً من "أنت بقيتي اجتماعية"، قل: "عجبني إنك سلمت على خالتك وبدأتِ الحديث معها". فهذا ينمي لديها التعزيز الإيجابي.

 

همسة أخيرة:

 

لا تجعلوا ابنتكم تشعر أن هدوءها عيب يحتاج إلى إصلاح؛ ساعدوها فقط على أن تمتلك مفاتيح التواصل، ثم اتركوها تختار مقدار الباب الذي تفتحه للآخرين.

 

روابط ذات صلة:

ابني لا يستطيع تكوين صداقات مستقرة.. ما العمل؟!

ترفض السلام على الأقارب فقط!!

التعليقات

الرابط المختصر :