السجع في الدعاء.. تعريفه وحكمه

Consultation Image

الإستشارة 15/01/2026

سمعت أن السجع في الدعاء لا يجوز فما المقصود بالسجع، وما حكمه؟

الإجابة 15/01/2026

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فالسجع في الدعاء: هو أن يتعمد الداعي اختيار كلمات تتشابه أواخرها، ويتكلف في تنسيقها وترصيعها، بحيث يكون همه الأكبر هو جمال اللفظ وتناغم العبارات، أكثر من همه في صدق التضرع والخشوع، وهو مكروه إن كان متكلفًا، وجائزٌ إن كان غير متكلف، وللخروج من ذلك الاكتفاء بأدعية القرآن الكريم والسنة المطهرة ففيها الكفاية، حتى ما جاء منها يشتمل على السجع فهو سجع بلاغي جائز وليس مقصودًا لذته، ولكنه جاء لتحقيق هدف بلاغي مقصود.

 

أمثلة على السجع المتكلف

 

مثال على السجع المتكلف: "يا من أظهرت الجميل، وسترت القبيح، يا من لا تؤاخذ بالجريرة، ولا تهتك الستيرة، يا حسن التجاوز، يا واسع المغفرة".

 

الحكم الفقهي للسجع في الدعاء

 

والحكم في هذه المسألة ليس واحدًا، بل فيه تفصيل دقيق يعتمد على نية الداعي وطريقته. يمكننا تقسيمه إلى قسمين رئيسين:

 

الأول: السجع المذموم المنهي عنه (أو المكروه)

 

وهو السجع الذي ينطبق عليه وصفان:

 

1- التكلف والتصنّع: أن يبذل الداعي جهدًا في البحث عن الألفاظ المنمّقة، ويشغل فكره بتنسيقها، مما يذهب بروح الدعاء الذي هو الخشوع والافتقار.

 

2- الإلهاء عن المقصود: أن يصبح جمال اللفظ هو الغاية، بدلاً من أن يكون وسيلة. فينشغل الداعي بزخرف القول عن صدق الحال مع الله.

 

الدليل على كراهته:

 

والدليل الأساس هو وصية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حيث قال: "وَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لاَ يَفْعَلُونَ إِلاَّ ذَلِكَ (يعني: اجتنابه)". (رواه البخاري).

 

وهذه الوصية واضحة في التحذير من تعمّد السجع في الدعاء؛ لأن هدي النبي ﷺ وأصحابه كان البعد عن هذا التكلف.

 

والدعاء هو مناجاة عبد فقير لرب غني كريم، والموقف موقف تذلل وانكسار، لا موقف استعراض بلاغي.

 

قال الإمام الخطابي رحمه الله: "المكروه من السجع هو ما كان متكلفًا؛ لأنه ينافي هيئة الذلة والخضوع، فأما ما جاء منه عفوًا من غير تكلف فلا بأس به".

 

الثاني: السجع الجائز

 

وهو السجع الذي يأتي بشكل طبيعي وتلقائي دون تكلف، ويكون خادمًا للمعنى لا غاية في ذاته. وهذا النوع لا حرج فيه، بل قد يكون حسنًا لأنه يجمع بين جمال اللفظ وصدق المعنى.

 

الأدلة على جوازه:

 

1- الأدعية الواردة في القرآن الكريم: الكثير من أدعية القرآن فيها فواصل متناسبة تشبه السجع غير المتكلف، مثل دعاء موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (طه: 25-28).

 

2- الأدعية الواردة في السنة النبوية: هناك أدعية كثيرة عن النبي ﷺ فيها سجع لطيف غير متكلف، يدل على فصاحته ﷺ وبلاغته. منها: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا". "اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا".

 

وهذا السجع النبوي جاء سلسًا، عفو الخاطر، يخدم المعنى ويقويه، ولم يكن فيه أي تصنع أو تكلف.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

الدعاء عبادة عظيمة

10 فضائل للدعاء

من آداب الدعاء ووسائل الاستجابة

الاعتداء في الدعاء.. تعريفه وحكمه

الرابط المختصر :