الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : استشارات أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
231 - رقم الاستشارة : 3227
13/11/2025
أنا فتاة تجاوزت الثلاثين، فرصي في الزواج محدودة نظرًا لإصابتي بإعاقة بسيطة في قدمي، كما أنني لا أمتلك أي قدر من الجمال وجسدي غير متناسق، ولم يتقدم لي إلا أشخاص أكبر مني في العمر بسنوات طويلة جدا وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية سيئة.
أنا أعيش حياتي شبه منعزله ولا أحب المشاركة في التجمعات، ولكنني لست تعيسة، فأنا أعيش في عالم موازي من أحلام اليقظة أكون فيه فتاة فاتنة وأعيش حياة سعيدة، وطبعا لا أحد يعلم بهذه المشاعر..
المشكلة في والدتي التي تضغط علي للقبول بأي خاطب مهما كان عمره أو ظروفه وأنا لا أريد مغادرة عالمي الآمن.
ابنتي الغالية، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات...
شعرت بكل كلمة كتبتها في رسالتك، وأنا مقدرة تمامًا لكل ما تشعرين به ومتفهمة لطبيعة حياتك، ويكفيك فخرًا أنك لست تعيسة ولست مكتئبة وحزينة.. يكفيك أنه على الرغم من التحديات التي تمرين بها لم تتورطي في زواج لا تجدين نفسك فيه، فقد يدفع الإحباط البعض وقد تدفع الضغوط البعض الآخر لأخذ قرار مهم كقرار الزواج رغم أنهم يرون بشكل واضح أنه لا يناسبهم، وهذا يعني أنك شخصية قوية لا ضعيفة ولا مهتزة.
حياة العزلة
ابنتي الغالية، هناك أنماط متنوعة من الشخصيات الانطوائية والانبساطية الاجتماعية، ولا يمكن أن نقول إن هناك نمطًا أفضل من الآخر، فلكل نمط نقاط قوة ونقاط ضعف.
ترتبط كثير من صور الإبداع بالشخصيات التي تصنف أنها شخصيات منطوية؛ لأن هذه الانطوائية تمنحهم الوقت الكافي للإبداع وتتيح درجة كبيرة من التعمق في الأشياء، فكبار الفلاسفة وكثير من الروائيين والرسامين كانت لديهم ميول انطوائية وكثير من الزهاد العابدين كانت لديهم ميول انطوائية، فكونك لا تحبين المشاركة في التجمعات لا يعيبك.
كل ما يمكن أن يقال ألّا تبالغي في هذه العزلة، فالفضيلة وسط بين رذيلتين كما يقال.. اجعلي هناك جسرًا يربطك بالحياة الاجتماعية.. صديقة أو صديقتين.. خروج مرة ولو شهريًّا من المنزل حتى لو ذهبت لاحتساء القهوة أو لشراء الملابس.. لو استطعت أن تذهبي لصلاة الجمعة أسبوعيًّا فهذا خير كثير.. لو استطعت التطوع في نشاط يجذبك كرعاية الأيتام أو المسنين أو الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة فهذا سيمنح حياتك عمقًا كبيرًا دون أن تشعري أنك مضغوطة داخل تجمعات كبيرة.
استغلي الشبكة العنكبوتية اكتشفي تجمعات لفتيات يشبهونك.. استغلي طاقة الخيال التي تمتلكينها وجربي كتابة القصة أو حتى الخواطر.. اكتبي حتى لو تحت اسم مستعار، افتحي نافذة بين عالم الواقع وعالم الخيال من خلال هذه الكتابة.
أحلام اليقظة
ابنتي الكريمة، يرى علماء النفس أن أحلام اليقظة ليست مرضًا نفسيًّا يحتاج للعلاج وإنما هي وسيلة تكيف تساعد الإنسان على تجاوز الضغوط النفسية، لكن إذا كانت هناك مبالغة في أحلام اليقظة تصل حد تعطيل حياتك الواقعية فهنا ندخل في مرحلة الخطر، لذلك يجب أن تسألي نفسك هذه الأسئلة:
• عندما يؤذن المؤذن هل تمتلكين القدرة أن تقومي وتتوضئي وتصلي صلاة خاشعة أم تحول هذه الأحلام بينك وبين الصلاة؟
• هل تهتمين بمظهرك الخارجي.. نظافتك الشخصية.. تصفيف شعرك أم تجدين صعوبة في القيام بذلك؟
• هل تستطيعين الإنصات لحديث والدتك والاهتمام به أم أنك تكونين شاردة وقتها أيضًا؟
• هل مشاعرك نحو عائلتك مشاعر دافئة حية أم باردة فاترة؟ أقصد هل أثرت هذه الخيالات على مشاعرك الحقيقية؟ هل مشاعرك تحضر فقط مع الخيال؟
• لم تذكري في رسالتك أنك امرأة عاملة، لكن لو أنك امرأة عاملة فهل تؤثر هذه الخيالات على عملك؟
أجيبي هذه الأسئلة الخمسة بصدق، فإذا كان خيالك لا يؤثر على حياتك الواقعية فقط هو يمنحك طاقة من الاسترخاء فأهلاً به.
وإن كان يحتل كيانك كله حتى أثّر ذلك على يوميات حياتك فهنا لا بد من تحجيمه وتقنينه.
صورة الجسد
ابنتي الغالية، لم يرقني حديثك عن جسدك وجمالك وأشعر أنك تتحاملين على نفسك، فإعاقة بسيطة في القدم لم تمنع آلاف النساء من الحياة بصورة طبيعية تمامًا دون أن ينشغلن بهذه الإعاقة البسيطة، فهناك ما هو أكثر من ذلك ورغم ذلك يعشن حياة مليئة بالعمق.
لماذا تقولين إنك لا تملكين أي قدر من الجمال؟ على أي معيار احتكمت وكل المعايير نسبية تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة؟
هذا يا –غاليتي- ليس كلامًا إنشائيًّا الهدف منه رفع روحك المعنوية ولكنه واقع مشاهد.. لا يوجد معايير ثابتة للجمال هذه حقيقة، لكن الشيطان الخبيث يوسوس في عقل الإنسان ويهديه الفقر والحرمان (الشيطان يعدكم الفقر)، إنه يتلاعب بمخاوفنا يضخمها ويبالغ فيها.. يضخم المفقود حتى نشعر بالحرمان.. يبالغ في سقف التوقعات حتى نشعر بالفقر، قد يساعدك في رسم صورة الفتاة الخيالية الفاتنة ويلهمك تفاصيلها الصغيرة حتى تشعري بالفارق الشاسع بينها وبين الواقع، ولو تأملت النساء من حولك ثم احتكمت لمعيار الجمال خاصتك فلن تجدي إلا الندرة اللاتي يقال عنهن جميلات.
كل المطلوب منك هو الاهتمام العادي بهذا الجسد وإكرامه فهو نعم من الله عز وجل (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ).
غاليتي، تعاملي مع جسدك بإكرام فهو أمر نبوي (من كان له شعر فليكرمه)، وقيسي على شعرك كل جزء من جسدك.. ليس الهدف أن تكوني فاتنة كالتي في خيالك.. وليس الهدف الحصول على زوج مناسب وإنما الهدف بعد اتباع سنة النبي ﷺ أن تستردي ثقتك بنفسك وجسدك رويدًا رويدًا.. ابتسمي دائمًا عندما تنظرين لوجهك في المرآة واحمدي الله بصوت مرتفع.
أتعلمين –غاليتي- لو استطعت أن تروي لنفسك قصة أخرى بطلتها فتاة رقيقة نقية القلب لها ملامح هادئة مريحة لحدث انتقال كبير في حياتك، وسواء كانت هذه القصة الجديدة لفتاة الخيال أو كانت لك أنت في أرض الواقع، في الحالتين أنت رابحة.. لو أمكنك أن تكون بطلة الخيال تشبهك ولو قليلاً وفي الوقت ذاته تحدثي إلى نفسك بلغة خطاب مختلف مليء بالتفاؤل والحيوية والرضا لصنعت جسرًا قويًّا وعظيمًا بين الواقع والخيال.
ابنتي الكريمة، الزواج رزق من الله فاسألي الله من رزقه.. اسأليه أن يرزقك زوجًا صالحًا يقر عينك به.. اسأليه وأنت موقنة من الإجابة وحتى يأتيك هذا الرزق ارفضي أي شخص لا تشعرين نحوه بالراحة وقولي لوالدتك لا تقلقي يا أمي فأنا أعتني بنفسي وسوف يرزقني الله من فضله...
اعتني بنفسك بالفعل جسديًّا ونفسيًّا.. خطوات صغيرة وثابتة تصنع بعد فترة إصلاحًا كبيرًا في حياتك، واعملي على بناء الجسر القوي الذي حدثتك عنه والذي يربط بين الواقع والخيال.. لا ترفضي الخيال ولكن حددي له إطارًا واستثمريه.. كتب الله لك الخير كله في كل خطواتك، وتابعيني بأخبارك دائمًا.
روابط ذات صلة: