الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : مفاهيم
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
362 - رقم الاستشارة : 3141
30/10/2025
هل الفطرة مفهوم يوجد له اهتمام في الفكر والفلسفة أم أنه مفهوم لم يحظَ باهتمام فلسفي أو فكري، ومن ثم تعرض هذا المفهوم لنوع من الطمس والتجاهل؟
أخي الكريم، الفطرة من المفاهيم التي لا تحظى باهتمام فلسفي وفكري يليق بمركزيتها في الحياة الإنسانية، ربما لأن هذا المفهوم يشكل تحديًا كبيرًا للأفكار المادية والإلحادية؛ فالمفهوم يستدعي قضية الألوهية وخلق الله سبحانه وتعالى للإنسان، وجعله خليفته في الأرض، يستدعي معايير أخلاقية كالصواب والخطأ والخير والشر المستودع في النفس البشرية منذ خلقها.
الفطرة ليست شيئًا عابرًا
تُعرف الفطرة بأنها الخِلقة أو الصِبغة التي خلق الله عليها الإنسان، فهي الخط الدقيق الكاشف للصواب والخطأ، وهي من الهدايات المستودعة في الإنسان.
الفكر المادي والإلحادي يُنكر الفطرة، ويزعم أن الإنسان يولد صفحات بيضاء وأن المجتمع هو ما يخط فيها سطوره ويضع لها معاييره، ولذا سعى الماديون لفهم الفطرة وتفسيرها وفق رؤيتهم المادية، وآخرون نظروا للفطرة كأنها خرافة تسربت إلى العقول دون سند أو دليل مادي.
الفطرة ليست شيئًا عابرًا في الحياة الإنسانية، ولكنْ لها صوت عال مدو يدعو الإنسان للعودة إليها، ويذكره ببعده عنها، والأسئلة الوجودية كسؤال المعنى والمصير والغاية، هي صوت الفطرة في أعماق الإنسان، وقد صاغ هذه الفكرة "جلال الدين الرومي" عن علاقة الناي بالشجرة التي قطع منها، فيقول: "تُراك استمعت إلى حكايا الناي.. وأنين اغترابه.. منذ اقتطعت من الغاب.. لم ينطفئ بيّ هذا النواح"... وهكذا الإنسان فكل إبعاد له عن فطرته لا بد أن نسمع نواحًا وأزمات واغترابًا.
الفطرة أصل العقلانية
في الرؤية الإسلامية فإن الدين جاء ليكمل الفطرة، وليعيد الإنسان إلى منابع فطرته، ويمدها بالأخلاق والسلوكيات التي تتجسد فيها لتحقق الاستخلاف، يقول العلامة ابن القيم: "إنما جاءت الشرائع بتكميل الفِطَر وتقريرها، لا بتحويلها وتغييرها، فما كان في الفطرة مستحسنًا جاءت الشريعة باستحسانه... وما كان في الفطرة مستقبحًا جاءت الشريعة باستقباحه".
وقد اعتبر بعض علماء الإسلام أن الفطرة تُمكن الإنسان من التمييز بين المصالح والمفاسد، فالفطرة ذات نفع للإنسان، وهو ما كتبه "أبو زيد البلخي" الملقب بالجاحظ الثاني، وهو أحد أعلام الإسلام في القرن الرابع الهجري في الفقه والفسلفة والأدب، فيقول في كتابه الفريد "مصالح الأبدان والأنفس": "إن الله عز وجل خصَّ الإنسان بقوة التمييز ليعرف النافع فيجتلبه والضار فيجتنبه ليكون ذلك سببًا إلى صلاح معاشه ومعاده، وذريعة إلى إحراز خير عاجله وآجله"، فهذه الخصيصة التي تحدث عنها "البلخي" هي الفطرة.
وقد رأى العلامة الزيتوني "الطاهر بن عاشور" في كتابه "مقاصد الشريعة" أن مبنى مقاصد الشريعة على الفطرة، على اعتبار أن الفطرة هي أصل العقلانية وأساس الاشتراك بين بني الانسان، فيقول: "ونحن إذا أجدنا النظر في المقصد العام من التشريع... نجده لا يعدو أن يساير حفظ الفطرة والحذر من خرقها واختلالها".
والنزعة الأخلاقية من الأمور الفطرية وأساسياتها، حتى بعض الحيوانات لها فطرتها في الصواب والخطأ، والدليل على ذلك القطط إذا أعطيتها من طعامك فإنها تأكله بجوارك وهي مطمئنة، أما إذا خطفت من الطعام فإنها تهرب.
ولا شك أن تلك الفطرة تحدٍ كبير للفكر المادي؛ لأنها تكشف أن هناك معايير أخلاقية ليست صنيعة العوامل البيئة والاجتماعية، ولكنها مبثوثة في ذات الإنسان وأصل تكوينه، ولهذا نلاحظ أن الإنسان عندما يرتكب أول خطيئة فإنه يتملكه شعور عميق من الندم، وهذا الندم هو أحد أصوات الفطرة في الإنسان التي لا يستطيع الفكر المادي فهمها أو تفسيرها.
نشير إلى أن العالم اللغوي الشهير "نعومي تشومسكي" الذي خلصت دراساته على مدار أكثر من ستة عقود إلى أن الإنسان يولد ولديه قدرة فطرية على تعلم اللغة، فاللغة ليست فقط مهارة مكتسبة من البيئة، ولكنها قدرة بيولوجية متأصلة في الإنسان، فهي نظام معقد يعتمد على بنية عقلية فطرية موجودة لدى جميع البشر.
تحدث "تشومسكي" عن مفهوم أسماه "الجهاز النحوي العالمي"، وهو مجموعة من القواعد النحوية الفطرية التي يشترك فيها جميع البشر، وهو يساعد الأطفال على تعلم أي لغة بسهولة وسرعة، رغم محدودية التعرض لها في سنواتهم الأولى؛ ما يدل على وجود نظام داخلي يُمكّنهم من توليد اللغة.
روابط ذات صلة:
الروحانية اللادينية.. الطمأنينة بلا دين