الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : مفاهيم
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
731 - رقم الاستشارة : 2162
22/07/2025
يتردد كثيرا مصطلح نيوليبرالية فما هو المقصود بذلك المصطلح وهل تؤثر سياسات النيوليبرالية على قيمنا الإنسانية والإسلامية؟
الـ"نيوليبرالية" من الكلمات التي تتكرر على مسامعنا كثيرًا منذ سنوات، ليس هذا فحسب، ولكن فلسفتها ومقولاتها ورؤاها تتجسد في قيم وسلوكيات وتعاملات شبه يومية في حياتنا؛ فثقافة السوق والنزعة الاستهلاكية والمادية وتراجع دور الدولة في الكثير من بلدان العالم، والصعود الجنوني لثقافة رأس المال، كل ذلك ما هو إلا بعض من أوجه الـ"نيوليبرالية".
وتبدأ قصة الـ"نيوليبرالية" مع انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات، فقد كانت لحظة فارقة عالميًّا، تهاوى معها نظام القطبية الثنائية الذي هيمن على السياسة العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لينشأ نظام عالمي جديد يهيمن فيه القطب الأمريكي على السياسة العالمية بلا مُناظر.
ومع القطبية الأحادية ظهرت سياسات وتوجهات تؤكد تلك الهيمنة، فظهرت العولمة التي تروج لنفسها بأن العالم يشبه القرية الواحدة، وظهرت الدعوات لانسياب الأفكار والمعلومات ورؤوس الأموال والسلع والخدمات بلا عوائق بين الدول، وهنا أسفرت الـ"نيوليبرالية" عن نفسها.
الـ"نيوليبرالية" من مرتكزاتها هيمنة السوق على مجمل العملية الاقتصادية وتقليل دور الدولة في الاقتصاد إلى أدنى حد ممكن، على اعتبار أنه لا معنى للحرية السياسية والاجتماعية ما لم ترافقها الحرية الاقتصادية تلك الحرية التي تمهد للوصول لدولة الرفاهة.
الظهور الأول لمصطلح الـ"نيوليبرالية" كان في القرن التاسع عشر الميلادي، وتحديدًا عام 1889م مع الاقتصادي الفرنسي "شارل جِيد"، كتعبير عن فلسفة اقتصادية تنادي بحرية السوق والحد من تدخل الدولة في الاقتصاد، لكن الظهور الكبير للمصطلح كان مع العام 1994م، مع توقيع اتفاقية "نافتا" NAFTA بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، والتي نصت على حرية التجارة والاستثمار بين تلك الدول.
ومن أبرز مفكري الـ"نيوليبرالية" الاقتصادي اليهودي الأمريكي "ميلتون فريدمان" المتوفى (2006م) الذي طالب بدور محدود للغاية للدولة في الشأن الاقتصادي، ومن مقولاته الشهيرة: "إذا جعلتَ الحكومة الفيدرالية مسؤولة عن الصحراء الكبرى، فسيكون هناك نقص في الرمال خلال 5 سنوات".
الـ"نيوليبرالية" ليست فلسفة اقتصادية فقط، ولكن رؤاها تمتد إلى الجوانب السياسية والثقافية والاجتماعية؛ فالسوق يحتاج إلى قيم ثقافية يتجلى فيها السوق بماديته وهيمنة الربحية والنفعية على حركته بعيدًا عن أي قيم إنسانية أو أخلاقية أو دينية، لذلك نجد الـ"نيوليبرالية" تدعو لتقليل الإنفاق الحكومي في التعليم والصحة.
يعتبر الاحتكار أحد ملامحها المخيفة، حيث تحتكر مجموعة من الشركات عملية الإنتاج وتهمين على الأسواق، ليتحول كمدخل للثراء الفاحش لقلة على حساب بقية المجتمع، بعدما تركزت الأموال والأنشطة الاقتصادية في أيدي حفنة قليلة من الأشخاص، وهذه الهيمنة تتيح لهؤلاء ممارسة الضغوط والهيمنة على المشهد السياسي.
الغاية من الـ"نيوليبرالية" هي هيمنة السوق وقيمه وآلياته على مجمل النشاط الاقتصادي، أما الوجه الآخر لتلك الهيمنة فهو إغفال الدور الاجتماعي للدولة وهناك نجد مقولة شهيرة لأحد دعاتها يقول فيها: "إن مراعاة البعد الاجتماعي واحتياجات الفقراء أصبحت عبئًا لا يطاق"، ولذلك تدعو الـ"نيوليبرالية" إلى الحد من الإنفاق الحكومي، وتقييد حركة الدولة في تحديد الأسعار، وزيادة دور القطاع الخاص في الاقتصاد والحد من دور القطاع العام، وتخفيض الضرائب.
يقول المفكر البريطاني "ديفيد هارفي" في كتابه "تاريخ موجز للليبرالية الجديدة": "تعني الليبرالية الجديدة إضفاء طابع مالي على كل شيء. لا شك أن هناك تحولاً في السلطة من الإنتاج إلى عالم المال"، وحذّر "هارفي" في كتابه من التأثيرات السلبية للـ"نيوليبرالية" على الديمقراطية، ورأى أنها لا تمتلك رؤية إيجابية تجاه الديمقراطية، ويقول في ذلك بوضوح: "يُبدي مُنظّرو الليبرالية الجديدة شكوكًا عميقة تجاه الديمقراطية. إذ يُنظر إلى الحكم بالأغلبية على أنه تهديد مُحتمل لحقوق الأفراد والحريات الدستورية. كما يُنظر إلى الديمقراطية على أنها ترف، لا يُمكن تحقيقه إلا في ظل ظروف الرخاء النسبي المُقترن بحضور قوي للطبقة الوسطى لضمان الاستقرار السياسي. ولذلك، يميل الليبراليون الجدد إلى تفضيل الحكم الذي يُديره الخبراء والنُخب".
ويؤكد المفكر الأمريكي الشهير "نعومي تشومسكي" أن الـ"نيوليبرالية" تنتج مستهلكين وليس مواطنين، وتنتج مراكز للتسوق وليس مجتمعات، وتنتج أفرادًا منعزلين يشعرون بالإحباط الاجتماعي، ورأى "تشومسكي" في الـ"نيوليبرالية" أنها العدو الحقيقي للديمقراطية، ويقول: "إن تصميم المبادئ النيوليبرالية بحد ذاته يُعد هجومًا مباشرًا على الديمقراطية".