الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : مفاهيم
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
530 - رقم الاستشارة : 2303
06/08/2025
هناك كثافة في الأخبار والمواد الإعلامية في كافة الوسائل الإعلامية وبعضها يمارس تضليلاً.. فما هو التضليل الإعلامي وكيف يحقق أهدافه؟
أخي الكريم، في البداية التضليل هو محتوى مضلل يُنشر عمدًا لخداع الناس، أو لتحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية وقد يُسبب ضررًا عامًّا، ومن ثم فهو نشاط عدائي منظم وموجه يستخدم آليات إعلامية لتحقيق مكاسبه وأهدافه.
ليس بالضرورة أن يعتمد التضليل الإعلامي على المعلومات الكاذبة، ولكنه غالبًا ما يلجأ إلى أساليب أخرى بجانب الكذب، منها: الخلط بين الكذب والحقيقة، بمعنى أن ينشر معلومة أو خبر ما وفيه قدر مكذوب من المعلومات بجانب المعلومات الصحيحة، وهذه الوسيلة قد تكون أكثر تأثيرًا وقبولاً وإقناعًا.
ومن وسائل التضليل الأخرى نشر معلومة صحيحة لكن تفسيرها بشكل غير صحيح من خلال إمدادها بخلفيات معلوماتية أو أفكار تذهب بالتفسير إلى مكان آخر مضلل، ومن ذلك وقوع حادث عنف معين ارتكبه أحد المسلمين في الغرب، وليس له علاقة بأية دوافع فكرية أو دينية، وربما يقف وراءه شجار شخصي أو مشكلة اجتماعية، وهنا يأتي التضليل من خلال رفد الخبر بخلفيات تستعرض حوادث عنيفة ارتكبها مسلمون، وهو ما يذهب بتفسير الخبر باتجاه طريق واحد وهو إدانة المسلمين ووصمهم بالعنف والإرهاب، وبالتالي يدور هذا الحادث العرضي في دائرة التفسير الهوياتي والصراع الديني والكراهية، رغم أن حقيقة ما جرى ليست كذلك.
ومن هنا فالتضليل هو عدم دقة مقصودة في نشر ونقل وإذاعة الخبر أو المعلومة بهدف تضليل الرأي العام، وهو أحد مظاهر ما يسمى بـ "الدعاية السوداء"، والتضليل الإعلامي تستخدمه الدول الأجنبية، وكذلك الحكومات والشركات والجماعات الأفراد.
يؤكد أحد مراكز الأبحاث الإعلامية التابع لجامعة هارفارد الأمريكية أن حقل دراسة التضليل الإعلامي أكاديميا: "يدرس انتشار وتأثير المعلومات المضللة والتلاعب الإعلامي، وكيفية انتشارها عبر القنوات الإعلامية المختلف، ويدرس كذلك لماذا يميل الناس إلى تصديق المعلومات الخاطئة، كما يدرس الاستراتيجيات الناجحة للتخفيف من تأثير التضليل الإعلامي".
ومع احتلال الرقمية للمكان الأوسع إعلاميًّا، وتطور علوم الصورة والجرافيك والذكاء الاصطناعي، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي الوسيط الأكثر نشرًا للتضليل الإعلامي، وأصبح يمارسه الأفراد بدوافع ذاتية ومصلحية خاصة بهم.
ومع الرقمية أصبح التضليل أكثر خطورة، خاصة إذا علمنا أن بعض المجتمعات تشكل مواقع التواصل الاجتماعي المصدر الأساسي لمعلوماتهم وأخبارهم، فتشير دراسات إلى أن أكثر أن 14% من الأمريكيين تشكل وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأساسي لمعلوماتهم، وهنا نستدعي مقولة رئيس الوزراء البريطاني "تشرشل" عندما قال: "الإشاعة تجوب العالم قبل أن ترتدي الحقيقة سراويلها".
ومن مضار التضليل الإعلامي أنه يؤدي إلى استقطابات حادة في المجتمع، خاصة إذا كان المجتمع قابلاً لتصديق تلك المعلومات المضللة عن بعض أطرافه تجاه الآخر.
تُظهر الدراسات أن انتشار المعلومات المضللة في وسائل التواصل الاجتماعي يمكن تصنيفه إلى مرحلتين:
الأولى: مرحلة البذر: وهي بث خبر أو معلومة خاطئة بقصد الإضرار.
الثانية: مرحلة الترديد: وهي عملية سعي لنشر واسع لتلك المعلومة المضللة، ودمج تلك المعلومة أو الخبر المضلل في حكايات الأشخاص على صفحاتهم، وقيامهم هم أنفسهم بنشره على أوسع نطاق، وهنا ينمو الخبر المضلل مثل كرة الثلج مع كثرة ترديده.
التضليل الإعلامي ليس ظاهرة جديدة، لكن حجم المشكلة بلغ مستوى جديدًا في عصرنا الرقمي، وفي عالم الرقمية أصبح الذكاء الصناعي أكبر منتج للمعلومات المضللة، بعد أن كان المجال مقتصرًا على البشر.
وتشير "كلير واردل" وهي إحدى رائدات المعلوماتية في جامعة براون الأمريكية، إلى أن التضليل الإعلامي والمعلوماتي، يمكن النظر إليه من خلال ثلاثة أنواع من المعلومات، هي:
* المعلومات المضللة، حيث يتم مشاركة معلومات كاذبة، ولكن بغير قصد الإضرار.
* التضليل الإعلامي، حيث يتم مشاركة معلومات كاذبة عن علم وبقصد الإضرار.
* المعلومات المضللة، حيث يتم مشاركة معلومات حقيقية بهدف الإضرار، مثل نشر معلومات سرية غير مصرح بنشرها للجمهور.
وربما هذا ما دفع ما يقرب من (78) دولة لإقرار مجموعة من القوانين في الفترة ما بين عامي 2011 و2022م للحد من نشر وانتشار المعلومات الكاذبة.
ولعل خطورة التضليل الإعلامي أنه يُفقد الجمهور الثقة في وسائل الإعلام وفي السياسة، ويعتقد الجمهور أن كل ما حوله أكاذيب، وفي ظل الأكاذيب يفقد القدرة على التفكير، ثم يفقد القدرة على الفعل الإيجابي.