ما هو مفهوم العدو في الرؤى السياسية والفكرية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : مفاهيم
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 143
  • رقم الاستشارة : 4475
01/04/2026

في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة لدي سؤال: ما هو مفهوم العدو؟ وهل للعدو مواصفات تستلزم إطلاق لفظ العدو أم أن مفهوم العدو متغير؟

الإجابة 01/04/2026

أخي الكريم، إن فهم أصدقائك لا يقل أهمية عن معرفة أعدائك، وفي ظل الاضطراب السياسي الذي نشهده حاليًا فإن هناك اختلالاً في تحديد مفهوم العدو؛ فالعدو ليس على مستوى واحد من العداء والتناقض، فهناك العداء المؤقت الذي قد يقع لنزاع مؤقت وأسباب عارضة، وهناك العداء الدائم أو ما نستطيع أن نطلق عليه العدو الاستراتيجي، وهذا العداء متعدد الدوافع، ويرتبط جزء منه بالهوية والتعارض التام في المصالح والأهداف والتحالفات، ولعل هذا ما يجعل سؤالكم ضروريًّا لبناء تصور فكري واضح عن مفهوم العدو.

 

من هو العــدو؟

 

احتل مفهوم العدو مكانًا في الفكر والسياسة والثقافة وعلم النفس؛ نظرًا لأهميته في بناء الهوية وتحديد المصالح ومعرفة المخاطر وسبل مواجهتها، وتحديد العدو يساهم في بناء هوية الجماعة، ويحدد المخاطر الحقيقية والمتحملة.

 

وفي عالم السياسية رأى المفكر الألماني الشهير "كارل شميت" أن جوهر السياسة هو تحديد العدو، وقال: "السياسة هي قبل كل شيء القدرة على استكشاف العدو"، وهو ما يعني أن السياسية قائمة على الصراع، وتحديد العدو يستدعي مجموعة من العمليات الذهنية منها: كيفية إدراك الذات والعدو، وكيفية المواجهة، ومبررات الصراع؛ فالسياسة عند "شميت" تبدأ عندما يكون العداء أمرا لا مفر منه، والهوية تتطلب وجود معارضة، والمرء لا يعرف من هو دون أن يعرف من يُعارضه، ويمكن القول ليس كل آخر عدوًا، ولكن كل عدو فهو آخر.

 

وفي وقتنا الراهن أصبح مفهوم العدو أكثر تشعبًا وحضورًا في الكثير من الخطابات منها القانوني والسياسي والاجتماعي والهوياتي، حيث يرى بعض علماء السياسة أن الجماعات تُعرف نفسها من خلال تحديد العدو.

 

ومن تعريفات العدو أنه "الكيان الذي يُمثل تهديدًا أو يحمل أفكارًا معارضة، ويُمثل نموذجًا محددًا للآخر"، ويلعب مفهوم العدو دورًا في تحديد الهوية وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتبرير الاعتداء في بعض الأحيان.

 

ويرى البعض أن العداوة شكل من أشكال الصراع تقع عندما تتعارض فيه الهويات والمصالح، بحيث يصبح الصراع هو الوسيلة للتغلب على الآخر أو العدو، ومن ثم فالعدو لا يظهر إلا في القضايا الجدية، وغالبًا تكون القضية غير قابلة للتفاوض ويكون بين الطرفين خلافات جوهرية تعقد التفاهم، وهنا تتحول هزيمة الآخر (أو العدو) لتكون هدفًا في حد ذاتها.

 

العدو الاستراتيجي

 

إن أخطر أنواع الأعداء هو العدو الاستراتيجي، الذي يمثل تهديدًا وجوديًّا وتناقضًا كاملاً مع الهوية والمصالح، ويمثل تهديدًا دائمًا ومباشرًا للهوية والمصالح، ويمثل خطرًا دائمًا لا يمكن توقع لحظة عدوانه.

 

ويمكن تحديد خصائصه على النحو التالي:

 

* التهديد الوجودي: فهو تهديد للذات، أو تهديد للهوية، أو تهديد للمصالح الحيوية، وغالبًا يتم تحديد مخاطر هذا التهديد من خلال التجربة الذاتية، والقلق العميق من زيادة قوة هذا العدو وتطورها، وهو ما يخلق إحساسًا بعدم الأمن والقلق بشأن المستقبل ما دام هذا العدو موجودًا لأنه يشكل تهديدًا للذات، خاصة في حال امتلاكه لقوة عسكرية فوق تقليدية وبخاصة القوة النووية.

 

* التناقض الجوهري في المصالح: وهذا التناقض يقترب من مفهوم المعادلة الصفرية؛ حيث إن الرابح يربح كل شيء، والخاسر يخسر كل شيء، ولعل هذا ما يؤكد أن الصراع مع هذا العدو هو صراع وجودي وليس تنافسًا طبيعيًّا في المجال الإقليمي والدولي أو حتى صراعًا حدوديًّا.

 

* المنافسة المتعددة: تتميز المنافسة مع العدو الاستراتيجي بتنوع وعمق مستويات المنافسة، وهذا ما يجعل احتمالات الصراع معه على أكثر من محور، وفي أكثر من مجال، فهذا التنافس الشرس يخلق احتكاكًا وأزمات مزمنة في العلاقات.

 

* الاختلاف الأيديولوجي: وتلك من السمات المميزة للعدو الاستراتيجي، فهناك اختلاف وتناقض هوياتي وأيديولوجي وتاريخي لا يمكن الوصول فيه لأي مستوى من الاتفاق أو التقارب، رغم بريق الشعارات الساعية للتعتيم على هذا التناقض على نحو الانتماء إلى الأصل الإبراهيمي، أو اللجوء إلى سياسات التطبيع.

 

* التوجس الدائم: العدو الاستراتيجي يتصف بأنه يثير المخاوف الدائمة، فهناك توقع دائم بالسوء، وترقب من محاولاته لتنفيذ نواياه العدوانية.

 

موضوعات ذات صلة:

هل أخطأت المقاومة في السابع من أكتوبر؟

لماذا يهاجم بعض الدعاة مشروع المقاومة؟

لماذا هذا الحزن على "أبو عبيدة"؟

حكم تسليم المقاومة للسلاح حقنًا للدماء!

الرابط المختصر :