الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : مفاهيم
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
644 - رقم الاستشارة : 2139
19/07/2025
ماذا نقصد بمفهوم المقاطعة ومتى وكيف نشأ هذا المفهوم؟
الحقيقة أن سؤالكم ذو أهمية في الوقت الراهن الذي أصبح العنف غير مرحب به في ممارسة الفعل السياسي، وزيادة فعالية وتأثير الرقمية في حملات الضغط وقدرتها على الوصول إلى أعداد كبيرة من البشر وبث الرسائل الغاضبة إلى تلك الجموع الكبيرة.
يظن البعض أن هناك حدين للفعل، إما الانبطاح والاستسلام، وإما العنف والحرب والصراع، لكن هذه الحدية دليل على ضعف العقل وقصور الأفكار ونضوب التجديد، فما بين هذين الحدين عشرات الوسائل والمسالك التي من المفترض أن ينتجها العقل وتبدعها الأفكار قبل الوصول إلى هذين الحدين البعيدين.
النظر إلى مفهوم المقاطعة يجب أن يتجاوز مسألة الفعل السياسي أو الاقتصادي والاجتماعي فقط، ولكن يتعداه إلى الإبداع العقلي والفكري، على اعتبار أن المقاطعة تبدأ من العقل والأفكار والرفض الداخلي أولاً.
تشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن هناك ما يقرب من (200) وسيلة وطريقة من أساليب العمل اللاعنفي، وهو عدد قابل للزيادة، ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات:
المستوى الأدنى: ومن أساليبه الوقفات الاحتجاجية وتوزيع المنشورات والمسيرات واستخدام الصمت.
المستوى المتوسط: وتحضر فيه المقاطعة وعدم التعاون.
المستوى الأعلى: ويستخدم أساليب تعطيل سير النشاط، مثل: الإضرابات والاعتصامات، وتشكيل الكيانات الموازية.
ويمكن تعريف المقاطعة بأنها شكل من أشكال الرفض يتمثل في التوقف عن شراء منتجات أو سلع خدمات معينة أو التعامل مع أشخاص وجهات معينة بما فيها الدول والمؤسسات للتأثير على مواقفها وقراراتها أو كنوع من العقاب لإلحاق الضرر بها.
تعود البدايات الحديثة لمفهوم المقاطعة إلى القرن التاسع عشر الميلادي، عندما اتخذ مجموعة من التجار الصغار في أيرلندا قرارًا بعدم التعامل أو شراء المنتجات من "تشارلز بويكوت" وهو وكيل أرض إنجليزي، بعدما استخدم التعسف في رفع إيجار الأراضي الزراعية التي كان يديرها لأحد ملاك الأراضي، فنشأت حركة محلية بدءًا من العام 1880 تدعوه لمقاطعته سواء على مستوى العمل في المزارع التي كان يديرها، أو في قبول المحلات التجارية لبيع منتجاته.
وقد تم تشكيل تحالف محلي لمقاومته فاستقال العمال وامتنعوا عن التعامل معه، فأخذت المحاصيل تتعفن، لتنجح المقاطعة في تحقيق أهدافها فاستقال "بويكوت" من عمله، وهنا تم اكتشاف قوة المقاطعة في تحقيق أهدافها دون اللجوء إلى العنف، فكانت فكرة مبتكرة وذات تأثير كبير بعدما ساندها المجتمع المحلي وتبنى أهدافها.
ومن هنا انطلقت المقاطعة لتكون إحدى وسائل الفعل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، واستخدمت كأداة من قبل المنظمات العمالية كتكتيك للحصول على أجور وظروف عمل محسنة من قبل الإدارة وأصحاب العمل، والغريب أن الحزب النازي الألماني استخدم المقاطعة الاقتصادية في الثلاثينيات لمعاقبة الشركات والمؤسسات اليهودية.
وقد انتهجت حركات الحقوق المدنية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، المقاطعة واعتمدتها أداة اجتماعية وسياسية في الولايات ضد الشركات التي تمارس التمييز العنصري ضد السود بهدف الضغط عليها.
ولعل من النجاحات الكبرى للمقاطعة ما جرى في الولايات المتحدة في مدينة مونتجمري بولاية آلاباما ديسمبر عام 1955م، اعتراضًا على قوانين الفصل العنصري بين السود والبيض في الحافلات، حيث انطلقت حملات المقاطعة من ذوي الأصول الأفريقية، وظهر الزعيم الأمريكي الأسود "مارتن لوثر كينج" مطالبًا بإلغاء تلك القوانين المسماة بـ" جيم كرو" التي شرعنت الفصل الاجتماعي بين البيض والسود في الجنوب الأمريكي في نهايات القرن التاسع عشر الميلادي.
لم تنجح حملة المقاطعة في تكبيد شركة النقل خسائر كبيرة فقط، ولكنها قادت إلى حكم قضائي بأن قوانين الفصل العنصري في الحافلات غير دستورية، ليأتي إلغاء القوانين الأمريكية التي تقر الفصل العنصري، فتوقفت حركة المقاطعة بعد عام من انطلاقها عقب تحقيقها لأهدافها.
والحقيقة أن قناعات التيار والأشخاص الذين يتبنون المقاطعة كأداة للعقاب إذا انطلقت من أفكار اعتقادية ومنظومات أخلاقية يكون تأثيرها كبيرًا، وعلى الجانب الآخر فالجهات والأشخاص التي تتبنى المقاطعة يتعزز لديها احترم الذات، وتؤدي إلى تماهي الأشخاص والمجموعات مع القيم التي يؤمنون بها، وتمنحهم المقاطعة قدرة على الفعل الإيجابي بدلاً من السكون أو اللجوء إلى العنف بشتى صوره وأشكاله.
ومن ثَم فالمقاطعة قد تكون آلية إيجابية للمقاومة، إذا استطاعت تسويق خطابها اجتماعيًّا، ويعد ذلك ركنًا رئيسيًّا في نجاحها في النبذ الاجتماعي والسياسي أو إلحاق الأضرار الاقتصادية أو حتى إثارة الشكوك حول شرعية بعض المؤسسات والشخصيات السياسية مثل مقاطعة الانتخابات أو هيئات معينة.
وأخيرًا، فإن المقاطعة كمفهوم هو حديث النشأة، ويتلاءم كثيرًا مع الأفكار المنتشرة عالميًّا، الرافضة للعنف والداعية إلى انتهاج أساليب ذات تأثير كبير ومشاركة واسعة وقادرة الضغط على إحداث التغير.