الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : مفاهيم
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
318 - رقم الاستشارة : 2920
09/10/2025
ماذا نقصد بمصطلح تمكين المرأة؟ وهل هذا يعني تقوية طرف داخل الأسرة والمجتمع على بقية المكونات؟
أخي الكريم، حقيقة نحن نصطدم بالكثير من المصطلحات البراقة الجذابة، لكن قد يكون مضمونها قد يفي بالأغراض والأهداف التي أعلن عنها، ومن ذلك مصطلح تمكين المرأة، الذي يبدو أنه يتعاطف مع المرأة وبعض الانتقاص من حقوقها، لكن الحقيقة أنه يأخذ المرأة بعيدًا عن مجالها الفطري وهو الأسرة، وينشئ حالة صراعية لها مع الرجل لا تنتهي إلا بتمزيق الأسرة نفسها.
التمكين والمساواة
تمكين المرأة يعتبر نفسه خطوة نحو تحقيق المساواة بين المرأة والرجل، إذ يشير المصطلح إلى تزويد المرأة بالموارد والفرص والثقة اللازمة لتحقيق أهدافها الشخصية والمهنية، مركزًا على إزالة الحواجز المجتمعية وضمان تكافؤ الفرص والحقوق للمرأة في مختلف مجالات الحياة، كالتعليم والتوظيف والرعاية الصحية والسياسة.
يعد تمكين المرأة -حسب دعاته- حجر الزاوية، فهو لا يضمن تمثيل المرأة فحسب؛ بل يضمن أيضًا إشراكها بفعالية في عمليات صنع القرار، ومعالجة أوجه عدم المساواة في الأجور والمناصب القيادية، والفرص في التعليم والرعاية الصحية.
المؤسسات الاقتصادية الدولية تبشر أن التمكين قد يحقق مليارات الدولارات كزيادة في الناتج العالمي، على اعتبار أنه يساهم في تحقيق التنمية، ورغم ذلك فبعض الغربيين يصف المصطلح بأنه مصطلح غامض وبراق، وأنه يبشر المرأة بالتقدم، لكنه لا يوضح مضمون هذا التقدم.
بداية المصطلح تعود إلى الثمانينيات من القرن الماضي، عندما أعلن علماء النفس عن نموذج لدراسات تمكين المرأة عام 1984م، وقالوا إن التمكين يساهم في تعزيز الصحة النفسية والوقاية من الأمراض النفسية، كما ظهرت أفكار ودراسات تنتقد سياسات التنمية الموجهة للمرأة، ونقد السيطرة الأبوية عليها (المتمثلة في الرجل أو الذكر)، ومن ثم كان الحل -وفق دعاة التمكين- هو توحيد الجهود للمطالبة بمزيد من الحقوق للمرأة.
وقد عرّف البنك الدولي التمكين بأنه القدرة على أن يكون المرء فاعلا وليد الاستقلالية في العمل وتحقيق الأهداف.
أما تمكين المرأة في المجال السياسي فيهدف إلى تبني سياسات وإحداث تغيرات هيكلية في المؤسسات والمنظومة القانونية بهدف التغلب على أشكال عدم المساواة وضمان الفرص المتكافئة التي تضمن مشاركة المرأة في الشأن العام وفي مؤسسات صنع القرار، ومن ثم تصبح عملية التمكين في المجال السياسي هي إزالة العوائق والعقبات التي تعيق وصول المرأة للسلطة السياسية.
أصبح المصطلح له بريقه، ويسانده مؤسسات وشركات ورأسماليون، وتم الترويج للمصطلح على أنه في صالح المرأة لتحقيق العدل والمساواة، وأنه يمكن أن يساهم في تغيير الوعي بقضايا المرأة، وإحداث تغير في علاقات القوة بين الرجال والنساء داخل المجتمع، وأنه يساهم في تحقيق المساواة في مجال العمل والحقوق، وعرفت البعض التمكين بأنه: "عملية تحدي علاقات القوة القائمة، واكتساب سيطرة أكبر على مصادر القوة".
ومن هنا فإن الانشغال الأساسي لمصطلح التمكين هو عدم المساواة بين المرأة والرجل، ومن ثم فتغيير علاقات القوة -حسب المفهوم- هو ما سيحقق المساواة ومن ثم التمكين.
فهم الذات بعيدًا عن الأسرة
يرى دعاة التمكين أن فهم المرأة لذاتها مدخل ضروري للوصول إلى الموارد المادية والتحكم فيها، ولذلك كان البعض صريحًا عندما قال: "التمكين هو السلــطة، أي تغيير علاقات السلطة لصالح من كانوا يمارسون سابقًا سلطة محدودة على حياتهم، والسلطة لها جانبان أولهما: السيطرة على الموارد (المادية، والبشرية، والفكرية، والمالية، والذات)، وثانيهما: السيطرة على الأيديولوجية (أي على المعتقدات، والقيم، والأفكار) ومن ثم يصبح التمكين هو عملية اكتساب السيطرة".
الدكتور عبد الوهاب المسيري يرى أن الخطاب المتمركز حول الأنثى هو خطاب تفكيكي يعلن حتمية الصراع بين الذكر والأنثى، وأن هذا الخطاب يهدف إلى توليد القلق والتوتر وعدم الطمأنينة حتى داخل ذات المرأة نفسها، لأنه يعيد تعريف المرأة لنفسها، بحيث يكون تحقيق ذات الأنثى خارج كيان الأسرة، وانسحاب المرأة من الأسرة يؤدي حتمًا إلى تآكل الأسرة هوية وتنشئة وقيمًا.
يقترح المسيري أن تُدرس المرأة وقضاياها ضمن الإطار التاريخي والتجربة الإنسانية، ومن هنا تصبح مشكلة المرأة إنسانية وحلولها لا بد أن تكون نابعة من تلك الإنسانية، ويطالب المسيري أن "ننفض عن أنفسنا تلك التبعية الإدراكية، ونبحث عن حلول لمشاكلنا من خلال نماذجنا المعرفية ومنظومتنا القيمية والأخلاقية" فالمجتمع يسبق الفرد.
نقطة البدء في التمكين هي الأسرة وليس لأي فرد داخلها سواء أكان الرجل أو المرأة، وعند هذه الفكرة المحورية يمكن أن يشارك الرجل في رعاية الأسرة، لأنه يدرك حجم الأعباء الملقاة على المرأة في رعاية الأسرة، وهذه النقطة تؤكد على إنسانية الرجل والمرأة المشتركة، وتصبح الأمومة عملاً منتجًا وليس عبئًا على المرأة تسعى لإبعاده عنها والتخلص من تبعاته.
روابط ذات صلة: