الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
97 - رقم الاستشارة : 4560
13/04/2026
(الغرب يظن أنه مركز العالم، ومرجعية البشرية، وأن مخاوفه وأحلامه وأخلاقه وقيمه هي المعيار للإنسانية، وأن ما عداه من الأمم والثقافات لا يستحق أن يكون في المركز، بل مكان الآخرين هو الهامش وعلى حواف الثقافة الإنسانية. فهل ممكن أن تشرحوا لي المقصود بمفهوم المركزية الغربية..
أخي الكريم، منذ الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر الميلادي، ونحن نعاني من أزمة في علاقاتنا مع الغرب، تعمقت مع الروح الاستعمارية التي انطلقت لتسيطر على العالم الإسلامي، وكانت شرارتها الأولى مع الحملة الفرنسية على مصر في نهايات القرن الثامن عشر الميلادي.
جزء من أزمتنا، وأزمة بعض المجتمعات العالمية الأخرى مع الغرب، أن الغرب يظن أنه مركز العالم، وأن الآخرين ما هم إلا هوامش على سرديته وأحداثه وانشغالاته، وهي التي نسميها "المركزية الغربية".
المركزية الغربية
المركزية الغربية مصطلح يرتكز على تصور يجعل الغرب هو نقطة المركز في العالم، أو قلب العالم حضاريًّا ومعرفيًّا، ليتحول الغرب مع هذا التصور ليصبح هو المعيار الذي تُقاس عليه حضارات العالم وثقافاته ومعارفه.
المركزية كمصطلح لم يظهر فجأة، ولكنه تطور عبر فترة زمنية ممتدة، ومع تطوره كان الغرب يتمدد خارج أراضيه مسيطرًا على الكثير من الأمم والشعوب الأخرى، فقد نظر الغرب إلى تلك الشعوب على أنها بدائية ولا ترقى إلى عقل ومكانة الإنسان الأوروبي، ومع ترسخ تلك الأفكار أنتج الغرب نظريات مشوهة تؤكد هذه المركزية، ومنها "عبء الرجل الأبيض"، أي أن الرجل الأبيض عليه واجب تجاه الأمم الأخرى يتمثل في تطويرها، لكن كان الاستعمار هو السياسة التي لجأ إليها الغرب تجاه مسؤوليته الموهومة.
البداية من اليونان
مصطلح المركزية الغربية يرى أن الغرب في مركز العالم في كل شيء، ومعنى ذلك أن الغرب متفوق على الجميع في كل شيء، وهذا يعبر عن عنصرية عميقة في الذهنية الغربية؛ حيث توهموا أنهم الجنس الأرقى وأن ما عداهم لا يصلح إلا للعبودية أو الاستغلال، ولعل تلك الرؤية تعود جذورها إلى اليونان والإغريق الذين رأوا أنهم هم السادة وغيرهم هم الأرقاء، ولذلك كان بعض الفلاسفة القدماء مثل "أرسطو" يرون مشروعية الحرب لاصطياد الأرقاء، وهي رؤية لا تختلف عما رأته المدرسة الاستعمارية في العصر الحديث.
ومن هنا يأتي التشابه بين الجذور اليونانية الإغريقية للفلسفة الغربية، وبين الفلسفة الغربية في العصر الحديث والتي تعبر عن نوع من المركزية؛ فمثلاً في اليونان اعتبر أرسطو أن الفيلسوف "طاليس" هو أول العلماء والفلاسفة الذين يجب أن يبدأ بهم التأريخ للفلسفة، وأن ما سبقه كان خليطًا من الأساطير والخرافات.
ومن ثم فالبداية الحقيقة للمركزية الغربية ترجع جذورها إلى اليونان، أما ظهورها في العصر الحديث، فيعود إلى مساعي الغرب للتأريخ للعصر الحديث من خلال منجزه العلمي، ومن أسماء غربية بعينها: مثل "كوبر نيقوس" و"جاليلو"، ونظرية مركزية الشمس في القرن السادس عشر الميلادي، أو "ديكارت" في الفلسفة.
والحقيقة أن الكثير من الاكتشافات الغربية في العصر الحديث جاءت على أكتاف حضارات أخرى، أهمها الحضارة العربية الإسلامية، لكن الغرب يسعى لنفي الآخر، ليكون هو بداية التاريخ ونهايته.
يشير البعض إلى أن التفوق الغربي في بعض وجوهه هو تفوق في الاستغلال والإذلال للشعوب والأمم الأخرى، وتفوق في الاستحواذ على منجز الحضارات الأخرى ونسبتها إليه.
وكان الاستعمار الحديث وتقسيم العالم إلى أول وثان وثالث، أو عالم متقدم وآخر متخلف هو من نتاجات تلك المركزية الغربية.
موضوعات ذات صلة:
ما هي الديكارتية وتأثيرها في الفكر الغربي؟