الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة الإلكترونية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
63 - رقم الاستشارة : 5088
15/06/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أب لعدد من الأبناء في مراحل عمرية مختلفة، وأشعر بقلق شديد من تأثير العالم الرقمي عليهم؛ فالهواتف والألعاب والمنصات المرئية أصبحت تستحوذ على أوقاتهم وأفكارهم، بل ألاحظ أحيانًا تغيرًا في طريقة كلامهم وتفكيرهم وتأثرهم ببعض المشاهير أو المقاطع غير المناسبة.
وأنا أحاول أن أكون قريبًا منهم، لكنني أحتار بين الشدة والمنع وبين التفاهم والحوار، فأحيانًا إذا شددت عليهم نفروا، وإذا تساهلت شعرت أن الأمور تنفلت من يدي.
فكيف يمكن للأب أو المربي أن يوازن بين الحماية والتربية، وأن يحافظ على هوية أبنائه الإيمانية والأخلاقية في هذا العصر المفتوح؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الأب المبارك، وبارك الله في حرصك على أبنائك،
فإن خوف الوالد على دين أولاده وأخلاقهم من علامات المسؤولية الصادقة، وقد قال
الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ
نَارًا﴾.
ولا شك أن
التربية في هذا العصر أصبحت أكثر تعقيدًا من ذي قبل؛ لأن المؤثرات لم تعد محصورة
في البيت أو المدرسة أو الشارع، بل صار الهاتف الصغير يدخل إلى عقل الطفل وقلبه
وعالمه الخاص في كل لحظة، حاملاً معه أفكارًا وقيمًا وصورًا وسلوكيات متنوعة.
لكن من المهم أن
ندرك أن الحل لا يكون فقط في المنع الكامل أو الرقابة القاسية، لأن الأبناء إذا
تربوا على المنع المجرد دون بناء داخلي قد يلتزمون ظاهريًّا فترة ثم ينفجرون عند
أول فرصة استقلال. ولذلك فإن التربية الحقيقية تقوم على بناء القناعة والرقابة
الذاتية والمحبة والثقة.
ومن الأخطاء
الشائعة أن يتحول حضور الوالد في حياة أبنائه إلى أوامر وتحذيرات فقط، بينما يحتاج
الأبناء بشدة إلى الحوار والاحتواء والشعور بالأمان العاطفي. فالابن الذي يجد في
بيته دفئًا ومحبة واهتمامًا يكون أقل قابلية للانجراف خلف المؤثرات الخارجية.
ولهذا حاول أن
تجعل بينك وبين أبنائك مساحات يومية للحوار الهادئ، دون تحقيق أو توتر. اسألهم عن
اهتماماتهم، وناقشهم فيما يشاهدونه، وشاركهم بعض أنشطتهم، حتى يشعروا أنك قريب من
عالمهم وليس بعيدًا عنه.
كما أن القدوة
العملية من أقوى وسائل التربية؛ فمن الصعب أن نطلب من الأبناء تقليل التعلق
بالهواتف بينما يرون الكبار غارقين فيها طوال الوقت. والأبناء يتعلمون بالسلوك
أكثر مما يتعلمون بالكلام.
ومن الحكمة كذلك
وضع ضوابط واضحة لاستخدام الأجهزة والإنترنت داخل البيت، لكن بطريقة متزنة ومتفق
عليها، كتنظيم أوقات الاستخدام، ومنع العزلة الطويلة بالأجهزة، وتشجيع الأنشطة
الواقعية والاجتماعية والرياضية والقرائية التي تعيد التوازن إلى حياتهم.
ومن المهم أيضًا
أن نغرس في الأبناء المعاني الإيمانية بطريقة محببة، لا بطريقة جافة أو مرهقة؛
فربطهم بالصلاة والقرآن والذكر وقصص الأنبياء والصالحين يمنحهم حصانة داخلية
تساعدهم على التمييز بين النافع والضار.
ولا تجعل كل
أخطاء الأبناء سببًا للصدام والعقوبة الفورية، بل حاول أن تفهم دوافعهم والمرحلة
العمرية التي يمرون بها، وأن تعالج الأخطاء بالحكمة والتدرج، فقد كان النبي ﷺ
يراعي الفروق الفردية والنفسية في التربية والتوجيه.
وتذكر أن التربية
ليست مشروعًا سريع النتائج، بل هي بناء طويل يحتاج إلى صبر ودعاء واستمرار. وربما
لا ترى أثر بعض كلماتك اليوم، لكنها تبقى راسخة في نفوس أبنائك وتؤثر فيهم مع مرور
الوقت.
ونسأل الله أن
يحفظ أبناء المسلمين وبناتهم، وأن يرزق الآباء والأمهات الحكمة والبصيرة، وأن يجعل
بيوتنا عامرة بالإيمان والمودة والسكينة والطاعة.
روابط ذات صلة:
في زمن «الفتن الرقمية».. كيف أحمي أبنائي من الانحراف؟
كيف أحمي مراهقاتي اليتيمات من البريق الزائف للسوشيال ميديا؟!