الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة الإلكترونية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
167 - رقم الاستشارة : 4366
11/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أنا داعية أعمل في مجال الدعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أكتب وأشارك وأعلّق بنيّة النصح، لكنني أُفاجأ أحيانًا بسخرية، أو تشويه للمقاصد، أو جدالات حادة تخرج عن حدود الأدب. أشعر أن الخطاب الدعوي الإلكتروني أصبح مرهقًا للنفس، ومُستنزِفًا للوقت، وأخشى أن يتحول حضوري من دعوة إلى ردود أفعال. فكيف نوازن بين البلاغ، وحفظ القلب، وعدم الانجرار إلى معارك لا تُثمر؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها الداعية المبارك، وجعل الله نيتك خالصة، وسعيك مشكورًا، واعلم أن ما تمرّ به أزمة دعوية معاصرة لا أزمة شخصية، فرضها تحوّل المنصات الرقمية من وسائل تواصل إلى ساحات صراع رمزي وفكري.
أولًا: إعادة تعريف (الدعوة الإلكترونية)؛ فالدعوة عبر المنصات ليست خطبة جمعة ولا مجلس علم، بل فضاء مفتوح تتجاور فيه النيات: الصادق، والمستفز، والمتربص، والجاهل، ومن الخطأ أن نتعامل معه بالمنطق نفسه الذي نتعامل به مع المسجد أو الحلقة العلمية، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام: 112]، فالضجيج سنة مرافقة للبلاغ.
ثانيًا: الفرق بين البلاغ والتفاعل القهري؛ فليس كل تعليق يستحق جوابًا، ولا كل شبهة تستحق معركة. وقد كان من هدي النبي ﷺ الإعراض الحكيم، لا العجزي، قال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] فالسكوت أحيانًا موقف دعوي، لا هروبًا.
ثالثًا: حماية القلب قبل تصدّر الخطاب؛ فالقلب هو رأس مال الداعية، وإذا تحوّلت الدعوة إلى غضب، أو شماتة، أو تشفٍّ، فقدنا جوهرها، والنبي ﷺ ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسـرهما ما لم يكن إثمًا. فالتيسـير يشمل أسلوب الخطاب وحجم الاشتباك.
رابعًا: من الواقـع الدعوي الرقمي؛ فكثير من المهتدين الجدد يذكرون أن أول ما جذبهم للإسلام أو الالتزام منشور هادئ، أو ردّ متزن، أو تجاهل حكيم، لا مناظرة نارية. فالتأثير العميق غالبًا صامت، وبعيد عن الأضواء.
خامسًا: ضوابط عملية للداعية في الفضاء الرقمي
* حدّد نيتك قبل النشـر: هل أبلّغ أم أنتصر؟
* اجعل لك (خطّ انسحاب شـرعيًّا) من النقاشات.
* لا تجعل عدد الإعجابات معيار الصدق.
* خصّص وقتًا للدعوة ووقتًا للانسحاب القلبي.
* تذكّر أن الله يرى ما لا يراه المتابعون.
وفي الختام، أسأل الله أن يجعل كلماتك نورًا لا ضجيجًا، وهداية لا خصومة، وأن يحفظ قلبك من القسوة، ولسانك من الزلل، وأن يكتب لك أجر البلاغ وإن لم ترَ ثماره عاجلًا، ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾.
روابط ذات صلة:
الفضاء الإلكتروني مليء بالضجيج والسخرية.. فلا تتوقف