الفضاء الإلكتروني مليء بالضجيج والسخرية.. فلا تتوقف

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : الدعوة الإلكترونية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 232
  • رقم الاستشارة : 3765
05/01/2026

أنا شاب أقدّم محتوى دعويًّا على منصتي إنستغرام وتيك توك، أسعى من خلاله إلى تقريب الدين للناس بلغة بسيطة ومحبة، لكن أتعرض أحيانًا لتعليقات جارحة وسخرية مؤلمة. بعض المتابعين يهاجمني قائلين: "كفاية وعظ بقى!"، وآخرون يسخرون من أسلوبي أو مظهري أو صوتي، بل بعضهم يتعمد السخرية من الآيات أو الأحاديث التي أذكرها. أشعر بالحزن أحيانًا وأفكر في التوقف، خصوصًا عندما يزداد الهجوم ولا يقدر جهدي. فكيف أتعامل نفسيًّا ودعويًّا مع هذه المواقف دون أن أفقد حماسي؟

الإجابة 05/01/2026

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبعد:

 

فمرحبا بك أيها السائل الكريم: واعلم بأن دخلت ميدانًا جديدًا من ميادين الدعوة، أشد صخبًا وأوسع تأثيرًا، لكنه أيضًا أكثر قسوةً وضجيجًا. فوسائل التواصل الاجتماعي ليست منابر هادئة، بل ساحات مزدحمة بالأهواء، يتحدث فيها الجميع، ويعلو فيها من يملك الصوت الأعلى لا العقل الأعمق. ومع ذلك، فهي فرصة عظيمة لنشـر النور في عالم امتلأ بالضجيج، شرط أن يتحلّى الداعية بصبر النبي ﷺ وحكمته.

 

وإليك الآتي:

 

أولًا: افهم طبيعة الفضاء الرقمي قبل أن تُهاجمك كلماته

 

من يدخل هذا الفضاء يجب أن يعلم أنه عالم مفتوح بلا حواجز، يضم الصالح والطالح، المتأدب والساخر، الجاد والهازل. فالتوقع الدائم للترحيب يؤدي إلى الإحباط، بينما الاستعداد للجدل والصبر يجعل الداعية ثابتًا وفعّالًا. وقد واجه النبي ﷺ سخرية أشد فقال تعالى: ﴿أهذا الذي يذكر آلهتكم؟﴾ [الأنبياء: 36]، ومع ذلك واصل طريقه لأن هدفه رضا الله لا رضا الناس.

 

ثانيًا: فرّق بين الناقد والمستهزئ

 

فليس كل تعليق سلبي عدوًا. فبعض النقد يقدّم بحسن نية فاحمد الله على نصيحته واستفد منه لتحسين أدائك، أما المستهزئون فلا يسعون للحوار بل لإثارة المشاعر فقط. فكن ذكيًّا وتجاهلهم، وركّز على المحبين والمتفاعلين بصدق، فالوقت والطاقة أغلى من أن تُهدر في جدال عقيم.

 

ثالثًا: لا ترد على كل تعليق سلبي

 

بعض الدعاة يخطئون في الانخراط في معارك كلامية تحت المنشورات، فيتحول المحتوى إلى ساحة جدال مفتوحة. والحكمة أن يكون الصمت أحيانًا الرد الأذكى. وأحيانًا، كلمة هادئة في منشور لاحق مثل: "أقدّر كل رأي، وأتمنى أن تكون الكلمة وسيلة خير لا أداة أذى"، تكفي لتغيير المناخ العام من السخرية إلى الاحترام.

 

رابعًا: اجعل هدفك التأثير لا الإعجاب

 

من أكبر أسباب الإحباط في الدعوة الرقمية أن يتحول الداعية دون قصد إلى صانع محتوى ينتظر التفاعل. ولكن التفاعل الحقيقي لا يُقاس بعدد الإعجابات، بل بعدد القلوب التي تغيّرت بسبب محتواك. قد يقرأ منشورك شابٌّ في لحظة ضعف ويتغير مسار حياته، ولن تعرفه، والله خير الشاهدين.

 

خامسًا: قوِّ مناعتك النفسية بالصحبة الإيمانية

 

لا تواجه وحدك موجات السخرية، بل كن قريبًا من زملاء في الدعوة الرقمية لتبادل الدعم والمشورة. أنشئ مجموعة صغيرة من الدعاة المتفهمين وتواصلوا دوريًّا لتثبيت بعضكم بعضًا، فقد قال ﷺ: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (متفق عليه).

 

سادسًا: استثمر النقد لتطوير خطابك

 

بعض الانتقادات قد تكشف نقاط ضعف في الإخراج أو الأسلوب أو اللغة. خذها فرصة للتجديد والتحسين، وادرس لغة الشباب وأدوات الإقناع البصري واللفظي، وكن واعيًا بلغة الجيل الذي تخاطبه. الدعوة في هذا العصر تحتاج داعية رقميًّا حكيمًا يجمع بين الأصالة والاحتراف.

 

سابعًا: ذكّر نفسك بالنية دائمًا

 

قبل أن تضغط زر النشر، قل في نفسك: "اللهم اجعلها لك لا للناس". حين تكون النية صافية، يخف الألم ويصبح كل نقد اختبارًا لا هدمًا، فالنية الصادقة تحوّل الإساءة إلى أجر، والتجريح إلى رفعة عند الله.

 

وختامًا: لا تدع السخرية تُسكتك، ولا الإعجاب يُغريك. أنت في مهمة نبيلة، لا في سباق شهرة. لا ترد على الضجيج بالضجيج، بل اجعل صوتك ثابتًا كالتيار الهادئ، قادرًا على النفاذ والتأثير. واعلم أن من يهزأ بك اليوم قد يراسلك غدًا سرًّا ليقول: "كلمتك كانت سببًا في هدايتي".

 

وأسأل الله أن يثبتك ويقويك ويرفع قدرك وينفع بك دائمًا.

 

روابط ذات صلة:

زميلي في الجامعة يصفني بالرجعي.. كيف أرد؟

أُقابل بالسخرية والإيذاء ممن أدعوهم.. هل هذه طريق الدعاة؟

يستهزئ بنصيحتي ولا يتقبلها.. كيف أتعامل معه؟

كيف أواجه سخرية الناس من التزامي بديني؟

كيف يتعامل الدعاة مع السخرية والاستهزاء؟

الرابط المختصر :