تعدد الزوجات.. حكمه وحكمته وضوابطه

Consultation Image

الإستشارة 09/12/2025

أريد من فضيلتكم توضيح الحكم الفقهي للتعدد ، فبعض الفقهاء يجعلونه واجبا يأثم القادر عليه إن لم يتعدد وبعد الأعراف والقوانين تجعله جريمة لا تغتفر ونحن نريد الحكم الشرعي لمسألة التعدد؟

الإجابة 09/12/2025

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

الحكم الشرعي الأصلي للتعدد هو الإباحة والجواز، لمن قدر عليه واستوفى شروطه، والتعدد ليس واجبًا، وليس حرامًا، بل هو رخصة مباحة أباحها الله عز وجل لحكم عظيمة.

 

وقد تعتريه الأحكام الخمسة كما هو الحال في أصل الزواج، قد يكون واجبًا إن خاف الزوج على نفسه الفتنة، وقد يكون حرامًا إن غلب على ظن الزوج أنه سيظلمهما أو يظلم أيًّا منهم، وقد يكون مندوبًا أو مكروهًا، على حسب حال الزوج والزوجة والزمان والمكان.

 

ومن أهم مقاصده حفظ النسل وهو من المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، وعفة الزوج الذي لا يكتفي بواحدة، وعفة الزوجة خاصة في أوقات الحروب والكوارث التي ينتج عنها زيادة عدد النساء على الرجال، وكفالة الأيتام والفقراء إن كانت الزوجة الثانية تسعى على أيتام لها إلى غير ذلك من المقاصد.

 

والدليل على إباحته هو قول الله تبارك وتعالى في سورة النساء، وهي الآية الأصل في هذا الباب: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾ (النساء: 3).

 

وهذه الآية الكريمة قطعية الثبوت قطعية الدلالة على إباحة الزواج باثنتين أو ثلاث أو أربع، وهي ترد على كل من يقول إنه حرام أو بدعة. وقد أجمع المسلمون قاطبة، سلفًا وخلفًا، على إباحة التعدد، وفعله النبي ﷺ وهو قدوتنا، وفعله أصحابه الكرام من بعده، ولم ينكره عالم معتبر على مر العصور. فمن حرّم ما أحل الله فقد وقع في خطر عظيم.

 

هل التعدد واجب؟

 

فهم بعض طلاب العلم من هذه الآية أن الأمر فيها للوجوب، وهذا فهم خاطئ ناقص، فإذا كان الزواج الأول ليس واجبًا إلا في حالات معينة ، فمن باب أولى التعدد لا يكون واجبًا إلا في حالات بعينها،  فالتعدد ليس واجبًا على كل مسلم. لم يأمر الله به أمر إلزام، بل أباحه ورغّب فيه لمن كانت له حاجة وقدرة.

 

والأصل هو الزواج بواحدة، والتعدد رخصة واستثناء لمن يحتاجه ويقدر على تكاليفه المادية والجسدية ويستطيع تحقيق شرطه الأعظم وهو العدل بين الزوجات، وقد يصبح التعدد مستحبًّا في حق رجل معين إذا كان يرى في نفسه القدرة على العدل، ويريد به تحقيق مقاصد شرعية نبيلة، مثل إعفاف نفسه إذا لم تكفه زوجة واحدة وإعفاف امرأة أخرى أرملة أو مطلقة أو عانس ورعايتها، وكذلك كثرة النسل وتكثير أمة محمد ﷺ وحل المشكلات الاجتماعية الناتجة عن زيادة عدد النساء على الرجال (بسبب الحروب وغيرها).

 

متى يكون التعدد حرامًا؟

 

نعم، يمكن أن يصبح التعدد حرامًا في حق رجل معين، ليس لأن التعدد حرام في ذاته، بل لأن هذا الرجل لا يستطيع تحقيق شروطه الواجبة. وهنا نعود إلى الآية نفسها ﴿...فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً...﴾.. فيكون التعدد حرامًا على:

 

1. من يعلم أو يغلب على ظنه أنه لن يعدل: إذا كان الرجل يعرف من نفسه أنه سيميل إلى إحدى زوجاته ميلًا واضحًا في الحقوق الواجبة (المبيت، النفقة، الكسوة)، ويظلم الأخرى، فيحرم عليه أن يُقدم على الزواج الثاني.

 

2. ليس لديه القدرة المالية (الباءة): إذا كان لا يستطيع أن ينفق على بيتين، ويفتح بيتًا جديدًا دون أن يضيّع حق بيته الأول، فيحرم عليه التعدد لأنه سيترتب عليه ظلم وتضييع لمن يعول.

 

3. ليس لديه القدرة الجسدية على إعفاف زوجتين والقيام بحقوقهما. فالتحريم هنا ليس لأصل التشريع، بل لعدم تحقق شروط تطبيقه في حق شخص بعينه.

 

والخلاصة أن التعدد ليس حرامًا على الإطلاق وليس واجبًا على الإطلاق، لكن تعتريه الأحكام الخمسة كما ذكرنا سلفًا.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

تعدد الزوجات: بين إباحة الشرع وحظر القانون

زوجتي مريضة.. لأجل حالتك شرع التعدد

كيف أقنع زوجتي بالزواج الثاني؟

قراءة في كتاب «تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية»

قراءة في كتاب «التعدد شرع ورحمة»

10 أسباب عاجلة لفتح ملف «التعدد»

الرابط المختصر :