الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : شبهات وردود
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
8 - رقم الاستشارة : 5138
23/06/2026
هل يمكن للأدب الذي يعبّر عن الحيرة والأسئلة الوجودية أن يكون بابًا لتعميق اليقين بدل أن يكون سببًا لزعزعته؟ وكيف يُنشئ القارئ علاقة واعية مع النص تحفظ له جمال التلقي وسلامة الاعتقاد في آن واحد؟
أخي الكريم، لا شك أن الأدب الهادف، الذي يطرح الأسئلة الوجودية ويسعى للخروج من حيرة
الإنسان في عملية بحث عن اليقين والإيمان، قادر على تعميق الإيمان.
والإنسانية أنتجت ما يُعرف بـ"الأدب
الوجودي" الذي يعد انعكاسًا لقلق الإنسان الوجودي في البحث عن غاية
للحياة، ويحمل شعور التوتر والحيرة، ويسعى لإقناع الإنسان بأنه هو الذي يحدد مصيره
بنفسه.
كان هذا النهج نتاجًا لامتزاج الفلسفة الوجودية، بالأدب،
حيث رأت هذه الفلسفة أن وجود الإنسان يسبق ماهيته، بمعنى أن الإنسان يوجد أولا ثم
هو الذي يصنع هويته وقيمه بنفسه، لذلك آمنت هذه الفلسفة بالحرية المطلقة للإنسان،
وأن الإنسان هو من يصنع نفسه وأن له الحرية الكاملة في الاختيار.
لكن الأدب الساعي للوصول لليقين من خلال طرح الأسئلة
الوجودية، يرى أن حيرة الإنسان لا بد لها من هداية، وهذه الهداية لا تتحقق إلا
بالإيمان.
نحو علاقة واعية مع النص
أخي
الكريم، هناك عبارة شهيرة في مجال النقد الأدبي تقول: "النص بقارئه"، وهي
تعني أن دلالة النص الأدبي تتشكل وتعبر عن نفسها بناء على خلفية القارئ وثقافته
والسياق الاجتماعي والثقافي الذي نشأ ويعيش فيه، فهنا قدر من التفاعل الحي
والمتجدد بين التلقي والاستجابة؛ فالنص الأدبي يحوي فراغات في هيكله يكملها
الشخص بخياله وخلفياته، ولذلك يُقال إن "النص يغيب ويصبح القارئ هو
الحامل الحقيقي للمعنى".
وهو ما نراه في "نظرية التلقي" في النقد
الأدبي للفيلسوف الألماني "فولفغانغ إيزر" والتي تفترض أن "النص
الأدبي لا يحمل معنى مكتملاً وجاهزًا، بل إن المعنى الحقيقي ينشأ حصرًا أثناء
عملية القراءة من خلال تفاعل حي وديناميكي بين بنية النص الذهنية وخبرات القارئ
الثقافية والاجتماعية".
ومعنى هذا أن القلب الباحث عن الإيمان واليقين، الذي لا
يعاند الدلائل الموجودة في الكون والدالة على وحدانية الخالق سبحانه وتعالى، سيكون
تفاعله مع النص الأدبي مختلفًا، فهو يقرأ النص بإيمانه وشغفه الوجودي لليقين،
فيكون النص له هداية.
ولعل هذا المعنى أورده القرآن الكريم في سورة
"فصلت" في قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا
لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ
وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ}
(فصلت: 44)، فالقرآن هدى وشفاء للذين آمنوا، وهو أيضًا عمى للذين لا يؤمنون ولا
يرغبون في الاستماع إلى آياته.
يقول سيد قطب في الظلال: "ويجد الإنسان مصداق هذا
القول في كل زمان وفي كل بيئة، فناس يفعل هذا القرآن في نفوسهم فينشئها إنشاء،
ويحييها إحياء؛ ويصنع بها ومنها العظائم في ذاتها وفيما حولها، وناس يثقل هذا
القرآن على آذانهم وعلى قلوبهم، ولا يزيدهم إلا صممًا وعمى، وما تغير القرآن..
ولكن تغيرت القلوب".
ولعل من النصائح التي يمكن إيجاد علاقة واعية وتفاعلية
بين النص وبين المعتقد والقيم، ما يلي:
* التزكية: أي تطهير النفس والوجدان،
وإيجاد صلاحية وصفاء داخل النفس لتلقي النص الأدبي، وبدون وجود هذه التزكية سيتحول
النص الأدبي إلى نص تتحقق به المتعة، وقد لا يعنيه إيجاد السكينة والطمأنينة.
* التأمل: وهو يعني الغوص فيما وراء
الكلمة والبحث عن دلالاتها، وربط الكلمة بالوجود؛ فالكلمة ليست صوتًا فقط ولكنها
معنى ووجدان، والكون ما هو إلا بديع صنع الله، والتأمل قادر على إيجاد الكلمة التي
تُرشد إلى الإيمان وتوصل إلى اليقين، وكما يقول عبد الرحمن الشرقاوي في رائعته
"الحسين شهيدًا": "الكلمة نور".
* الهادفية: بمعنى أن تتجاوز
النظريات التي تقول "الأدب للأدب والفن للفن" تلك النظريات
والمذاهب النقدية التي تدعي أن القيمة الجوهرية للأدب تكمن في جماليته الفنية
ولغته بمعزل عن أي قيمة دينية أو أخلاقية أو اجتماعية، وترى تلك النظريات أن
الجمال هو الغاية النهائية للنص الأدبي، فتلك المدارس تركز على الشكل والصنعة
الأدبية.
أما الهادفية فلا تهمل الشكل والصنعة، ولكن تزيد من
عمقها وتربطها بغاية عظيمة؛ فالقلم القوي لا بد أن تكون له قضية يدافع
عنها، وكذلك الأدب الراقي لا بد من وجود قيمة يحملها النص بين كلماته.
موضوعات ذات صلة:
هل الفنون قادرة على إنتاج الأخلاق؟
هل عالجت نظرية إدارة الرعب رهبة الإنسان للموت؟
ما العلاقة بين المادية وتردي الذوق؟
مساهمات الحضارة الإسلامية فيفن الجدل والمناظرة