الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : شبهات وردود
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
116 - رقم الاستشارة : 4636
22/04/2026
هل من تفسير ثقافي ونفسي لاصرار كتل بشرية غير قليلة للخرافة والأشياء غير المعقولة التي تجافي المنطق والعقل والعلم والتجربة، لما يصر هؤلاء على الاقتناع بالخرافة والخضوع لها رغم وضوح الحقيقة والدليل العلمي والمنطقي
أخي الكريم، تخبرنا مشاهدات الحياة أن هناك قطاعات غير قليلة من البشر تؤمن بالخرافة وتعشقها وتتمسك بها تمسكًا عجيبًا، رغم وضوح الأدلة والبراهين العقلية والاستدلالات على مجافة تلك الخرافة للعقل والمنطق، وهو ما يبدو أمرًا عجيبًا ويحتاج إلى نقاش، خاصة أن بعض من يروج للخرافة قد يحملون شهادة الدكتوراة، وكذلك من يصدقها.
انتشار الخرافة
الإيمان بالخرافة منتشر في جميع الثقافات وبين كل الشعوب، وللخرافة تأثيرها على سلوك الناس في مختلف المواقف الاجتماعية؛ ففي دراسة اجتماعية نشرت عام 2024م عن العلاقة بين السلوك والمعتقد أكدت أن هناك كثيرًا من الناس يؤمنون بالخرافات؛ فمثلاً في الولايات المتحدة أظهرت نتائج استطلاع أن (25%) يؤمنون بالخرافات، وأن البعض يمارسون الخرافة دون أن يصرحوا أنهم مؤمنون بها، وذلك لإيمانهم الداخلي بقدرة الخرافة في التأثير عليهم؛ ولذلك وصفت تلك الحالة بأنها "نصف إيمان" بالخرافة، وكذلك هناك من يؤمن بالخرافة ولا يمارسها خوفًا من النقد الاجتماعي، ويوصف هؤلاء بأنهم "مؤمنون سلبيون" بالخرافة.
تُعرف الخرافة في وقتنا الراهن، بأنها "المفاهيم التي لا أساس لها أو التي تتعارض مع المنطق والمعرفة العلمية"، والخرافات في وقتنا الراهن تختلف –نسبيًّا- عن الخرافات الأسطورية في الأزمنة القديمة، فالخرافة في وقتنا الراهن تسعى لأن تتلبس بأقوال ونظريات علمية ومعلومات، وتسعي لإيجاد أساس معرفي وعلمي لها، ورغم ذلك فإن الكثير من الخرافات، رغم عدم علميتها وعدم منطقيتها، تستغل جانبًا عاطفيًّا عند البعض، وهذا الجانب العاطفي يطغى على المنطق والعلم.
لماذا يؤمنون بالخرافة؟
يمكن تفسير الإيمان بالخرافة من عدة نواح، منها فكرة التوارث الثقافي والتنشئة الاجتماعية، فبعض الأشخاص ينشؤون في مجتمعات تكثر فيها الخرافة، حتى تتحول إلى معتقد وإيمان يصعب مخالفة مقولاته ومنطقه وما يدعو إليه.
الخرافة توفر للبعض نوعًا من الراحة النفسية، ففي الخرافة روح اتكالية، تنتظر المجهول أن يحقق المعجزة دون أن يكون الإنسان شريكًا في الحالة التغيرية، ولعل هذا ما جعل الخرافة تتشابه مع تعاطي المواد المخدرة التي تحقق الانتشاء والسعادة المؤقتة والموهومة.
دراسات نفسية تؤكد أن "عدم اليقين في الحياة، وعجزنا عن تفسير جميع تفاصيلها وتفاصيل الكون، ورغبتنا الدائمة وتوقعنا لنتائج إيجابية، كلها عوامل تُهيّئ بيئة خصبة لنشوء الخرافات"، وفي ظل انتشار بعض الأمراض، وتأخر الشفاء، وأخطاء بعض الأطباء في التشخيص والعلاج، والدور الذي تمارسه بعض شركات الأدوية العملاقة في تأخير الإفصاح عن الأدوية الفعالة، يميل الناس للخرافات غير العلمية.
يؤكد أطباء نفسيون أن الخرافة قد تنشأ بمساعدة من عقولنا، حتى نشعر بمزيد من السيطرة على حالة عدم اليقين حولنا، فبعض العقول حتى تشعر بالأمان والراحة قد تلجأ إلى الاعتقاد في الخرافة، وقد تكون الخرافات الحديثة يروجها شخصيات حاصلة على درجات علمية مرموقة، لكن ما يطرحونه يخالف ويضاد العلم والمنطق والتجربة، ونظرًا لامتلاكهم القدرة على الضجيج واستغلال الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي للوصول السريع للناس، والتلاعب بالحجج وأدوات الإقناع، فقد يبدو أن ما يطرحونه منطقيًّا وعلميًّا ولذلك يتأثر الناس بتلك الخرافات والأوهام.
أشار علم النفس إلى حالة نفسية قد تدفع إلى الإيمان بالخرافة أسموها "تحيز التأكيد"، وهو ميل معرفي لا واع للبحث عن تفسير وتأكيد ومعلومات تثبت صحة الخرافة أو المعتقد أو الافتراض، مع تجاهل الأدلة والمعلومات والتفسيرات المناقضة، ويوصف هذا التحيز بأنه "الأب الشرعي لأخطاء التفكير"، حيث يأخذ الشخص من المعلومات والأخبار ما يؤكد ما يؤمن به ويلغي ويتجاهل ما لا يدعم ذلك الإيمان..
ومن هنا يمكن تفسير الإيمان بالخرافات على أنها تُعدّ أدوات نفسية، تمنح شعورًا مؤقتًا بالسيطرة في أوقات الشدة، فهي بمثابة طوق نجاة عاطفي، تُخفف من القلق والضعف، لكنها تبقى ضد العلم والعقل والمنطق والدين.
موضوعات ذات صلة:
لماذا يلجأ المرضى إلى الخرافة؟
كيف نميز بين الإيمان بالغيب والتورط في الخرافات؟
أحاديث الغيلان بين العقيدة الثابتة وأساطير الخرافة
كيف تتعامل مع الخزعبلات (الخرافات)؟