الجساسة والدجال في حديث تميم.. نبوءة أم خرافة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
  • القسم : علوم القرآن والحديث
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 197
  • رقم الاستشارة : 4503
06/04/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا باحث مهتم بدراسة أحاديث آخر الزمان، وقد اطلعت على رواية تميم الداري المتعلقة بالدجال، وأرغب في توضيح بعض المسائل الشرعية والفكرية المتعلقة بها، وفق منهج العلماء في التثبت والبحث العلمي. أسئلتي كالتالي:

حقيقة القصة: هل قصة تميم الداري التي تتحدث عن الدجال تعتبر رواية تاريخية موثوقة أم أنها مجرد حديث شعبي أو أسطورة؟

وهل تميم الداري هو الصحابي الوحيد الذي روى القصة، أم أن هناك حلقات سماع عديدة بين الصحابة؟

حركة الدجال: في الرواية، هل يُفهم أن الدجال يمشي حاليًا في الأسواق بين الناس، أم أن وصفه متعلق برؤيته في الجزيرة أو علامات آخر الزمان فقط؟

نسبه وصفاته: هل صحيح أن الدجال يوصف بأنه "ابن الصياد" أو أن هناك أي نسب محدد له؟ وما صحة هذا الوصف وفق الروايات الصحيحة؟

مكان احتجازه: ذكرت الرواية أن تميم الداري رأى الدجال في جزيرة معزولة بعد أسره. هل هذا يعني أن الدجال موجود اليوم في مكان محدد، أم أن ذلك كان ضمن الرؤيا أو الحالة الخاصة التي عايشها الصحابي؟

عدد الرواة وموثوقية الحديث: لماذا يبدو أن عددًا محدودًا من الصحابة رواه، مع أن مئات الصحابة كانوا موجودين في زمن تميم الداري؟

وهل صحيح أن الحديث قد رواته امرأة واحدة فقط في بعض النسخ، أم أن السند رجالي موثوق كما ذكره كبار المحدثين؟

درجة الحديث: ما هي درجة الحديث عند علماء الجرح والتعديل؟ هل هو صحيح، أو حسن، أم ضعيف في بعض الروايات؟ وهل يمكن الاعتماد عليه في دراسة علامات آخر الزمان؟

أرجو من سماحتكم توضيح هذه النقاط بدقة، مع ذكر السند الكامل والروايه إن أمكن، وبيان المعنى الصحيح للرواية وفق السياق الشرعي والتاريخي، بما يساعد الباحث على فهم القصة بدون لغط أو تحريف. وجزاكم الله خيرًا،

الإجابة 06/04/2026

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

فأهلاً بك أخي الباحث الكريم.

 

اختصارًا: فإن حديث تميم الداري -رضي الله عنه- المعروف بـ "حديث الجساسة" يعد من أمهات الأحاديث في باب الفتن وأشراط الساعة، وهو حديث فريد من نوعه لكون النبي ﷺ رواه عن صحابي (رواية الأكابر عن الأصاغر).

 

وإليك توضيح المسائل التي تفضلت بطرحها وفق المنهج النقدي والحديثي الرصين:

 

1. درجة الحديث وموثوقيته

 

الحديث صحيح غاية في الصحة، فقد أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم. ليس الحديث "شعبيًّا" أو "أسطورةً"، بل هو خبر آحاد تلقته الأمة بالقبول، وصححه جهابذة المحدثين.

 

ملخص الرواية من صحيح مسلم:

 

خطب النبي ﷺ وقال: "إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميم الداري كان رجلاً نصرانيًّا فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثم أرفؤوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر (الجساسة)... فدخلوا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد..." (الحديث بطوله وفيه أسئلة الدجال عن نخل بيسان وبحيرة طبرية).

 

2. السند وعدد الرواة، هل روته امرأة واحدة؟

 

الرواية المشهورة: روتها الصحابية الجليلة فاطمة بنت قيس -رضي الله عنها- وهي التي سمعت النبي ﷺ يخطب بها على المنبر.

 

تفنيد الشبهة: القول بأن "امرأة واحدة" روته لا يقدح في صحته؛ فعدالة الصحابة (رجالاً ونساءً) ثابتة، وفاطمة بنت قيس من المهاجرات الأوليات والعاقلات.

 

هل رآه غير تميم؟ نعم، تميم الداري كان معه ثلاثون رجلاً من لخم وجذام في السفينة، كلهم عاينوا الدجال والجساسة، لكن تميم هو من أخبر النبي ﷺ بالقصة بعد إسلامه.

 

شهادة النبي ﷺ: النبي ﷺ أكد القصة بقوله: "فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة"، وهذا يرفع الخبر من مجرد حكاية فردية إلى إقرار نبوي بوحي.

 

3. نسبه وصفاته (هل هو ابن صياد؟)

 

ابن صياد: هو شاب يهودي كان بالمدينة في عهد النبي ﷺ، ظهرت عليه علامات غريبة (كان يرى عرشًا على الماء، ويأتيه صادق وكاذب).

 

الارتباط بالدجال: وقع إشكال بين الصحابة؛ فكان عمر بن الخطاب يحلف عند النبي ﷺ أن ابن صياد هو الدجال ولا ينكر عليه النبي ذلك. لكن حديث تميم الداري جاء ليثبت أن الدجال محبوس في جزيرة، بينما ابن صياد كان يعيش بالمدينة.

 

الرأي الراجح: أن ابن صياد كان "دجالاً من الدجاجلة" (نموذجًا مصغرًا)، أما الدجال الأكبر (المسيح الدجال) فهو المحبوس في الجزيرة. وقيل إن ابن صياد فُقد يوم "الحرة" ولم يُعرف له أثر.

 

4. مكان احتجازه وحركته الحالية

 

ذكر الحديث أنه في جزيرة في "بحر الشام" أو "بحر اليمن" (المقصود جهة الشرق).

 

هل يمشي في الأسواق؟ ظاهر حديث تميم أنه محبوس ومصفد بالأغلال إلى أن يأذن الله بخروجه. أما ما يروج له البعض بأنه يتجول الآن، فلا دليل عليه من السنة الصحيحة، بل هو محبوس حتى تكتمل العلامات (فتح القسطنطينية وغضب يغضبه... إلخ).

 

طبيعة الرؤية: تميم الداري رآه رؤية عيان (يقظة) ببدنه هو ومن معه، وليست رؤيا منامية، والدليل ركوبهم السفينة ومخاطبتهم له.

 

5. لماذا لم يروه مئات الصحابة؟

 

هذا سؤال منهجي، والجواب:

 

الاختصاص: ليس كل الصحابة يهتمون برواية كل ما سمعوا؛ ففاطمة بنت قيس كانت مهتمة بتدوين الوقائع الكبرى.

 

الإقرار العام: النبي ﷺ خطب بالحديث على المنبر وجمع الناس (الصلاة جامعة)، فسمعه المئات، لكن الذين تصدوا لتعليمه وتدوينه هم قلة، وهذا شأن كثير من الأحاديث الصحيحة.

 

وأخيرًا: الدجال في مدرسة أهل السنة والجماعة هو بشر، عينه ممسوحة، مكتوب بين عينيه كافر، وهو محبوس في مكان لا يعلمه إلا الله، وسيخرج في الوقت المعلوم كعلامة كبرى من علامات الساعة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

كيف يتحول الدجال لرمز روحي؟!

 

الرابط المختصر :