الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
68 - رقم الاستشارة : 4733
03/05/2026
الإحساس بالفقر هل يعبر عن قلة إمكانات أم هذا الإحساس وراءه تشوهات في تصورات الإنسان ورغباته وهذا التشوه أشبه بمرض عضال يلازم الشخصية.. فكيف نفسر ذلك وما يخلقه من معاناة لا تنتهي؟
أخي
الكريم، كتب الأديب "مصطفى صادق الرافعي" في مجلة "الرسالة"
مقالاً عام 1934م نعى فيه تراجع الفضائل حتى باتت من هجرانها تكاد أن تكون
تاريخية، فقال: "نحن في عصر تكاد الفضيلة الإنسانية فيه تلحق بالألفاظ
التاريخية التي تدل على ما كان قديمًا"، ومن تلك الفضائل المهجورة، هي
نفي الإحساس بالفقر عن النفس، ومقاومة تصوراته المحبطة المذلة الدافعة لكل شر
وبلية.
الإحساس
بالفقر من أكثر التصورات المزعجة للإنسان، والتي لها تأثيرها على أفكاره وسلوكه
وأمراضه النفسية؛ بل أحد الأسباب التي تقف وراء بعض الجرائم.
أخي
الكريم، قد يكون الفقر ناتجًا عن ضعف إمكانات أو
قلة أموال، لكن هذا النوع من الفقر محدود مقارنة بالفقر الناجم عن أخطاء
التصورات وتوحش الرغبات وطغيان التمنيات، وهذا النوع الأخير لا يلغيه توفر
الأموال حتى وإن اكتظت بها الخزائن، ولذلك كان يُقال: "جائع الطفولة لا
يشبع أبدًا".
تقول
الحكمة المصرية القديمة المكتوبة منذ آلاف السنين "ضبط النفس لا يكلِّف
الإنسان أكثر من لحظة، وإنه لَمِن العار أن يكون الإنسان شرهًا، فقدح
ماء يروي الغُلَّة، وإن كان الفم مفعمًا فإن ذلك مما يقوي القلب، والشيء الطيب
يحل محل الطيب، (إن لونًا بسيطًا جيدًا يغنيك عما هو
أحسن منه)، كما أن القليل يحل محل الكثير، وإن الرجل الشره تعس لداعي جسمه".
حقيقة
الإحساس بالفقر
أخي
الكريم، يشكل الإحساس بالفقر عبئًا معرفيًّا على
الإنسان المعاصر، يؤثر على قدراته الذهنية وسلوكياته وتصوراته للحياة، إلا أن
الإحساس بالفقر لأسباب نفسية هو الأكثر انتشارًا في الوقت الراهن.
في
دراسة مهمة للبروفيسور الاقتصادي الأسترالي الشهير "مارتن رافاليون" بعنوان
"اقتصاديات الفقر: التاريخ والقياس والسياسة" حيث أمضى الرجل
عقودًا في البحث في تاريخ الفقر والسعي لوضع قياس للفقر، والتوصل لسياسيات يمكن من
خلالها مكافحته، ومما خلص إليه في بحثه أن مؤشر الفقر المدقع شهد تراجعًا
كبيرًا، وأن سكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع قد انخفض خلال
القرنين الماضيين.
لــــــكن البعض أشار إلى أن الفقر
تتغير مفاهيمه وتبقى ملامحه، فخلال القرنين الماضيين زاد الإنتاج العالمي
زيادة غير مسبوقة، وهذا أدى إلى تبديل معنى الفقر، واختلاف مفهوم الفقراء في الوقت
الراهن عن مفهوم الفقراء في السابق، فقديمًا كان الفقر المدقع يصيب الكثير من
الناس عالميًّا، وفي أحدث بيان للبنك الدولي لعام 2022م فإن خط الفقر يقف هو
(2.15) دولار للفرد يوميًّا، ومع ذلك أشار البنك الدولي أن مليار شخص نجوا من
الفقر المدقع خلال الثلاثين عامًا الماضية.
ورغم
هذا التحسن فإن الإنسان المعاصر يتملكه إحساس
كبير بالفقر، رغم أن مستوى معيشته يفوق أسلافه السابقين، الذين لم ينعموا بكل هذه
الوفرة والإمكانات والرفاهية، ولعل ذلك يرجع في الأساس إلى عدة عوامل نفسية
وتصورات عقلية ومجتمعية، منها: تغير مفهوم الفقر في الوقت الراهن عن المفهوم في
السابق، ففي السابق كان الفقر يرتبط بأساسيات الحياة الضرورية خاصة الطعام والشراب
الضروري للغاية، أما مفهوم الفقر الحالي فتجاوز هذه المسألة وأصبح مرتبطًا بالتمتع
بالرفاهيات التي انتقلت لتكون أشياءً أساسية في الحياة.
نمو
ثقافة المقارنات،
فالفقر الراهن ليس قلة الإمكانات، ولكن تعداه مع ثقافة المقارنة إلى قياس حال
الشخص على نظرائه في البيئة التي يعيش فيها أو التي يشاهدها وبخاصة في وسائل
التواصل الاجتماعي من حيوات مترفة وأطعمة وفيرة وذات قيمة غذائية عالية وملابس
راقية، وهنا كان عدم الرضا هو المسيطر على حالة ذلك الإنسان، وهو تصور مخالف
للواقع.
توحش
الرغبات: أصبح الإنسان
يُشعر بأنه فقير بسبب تزايد رغباته الاستهلاكية؛ فمثلا عدم استخدامه لهاتف محمول
بمواصفات معينة أو ماركة معينة، رغم أن هاتفه المحمول يؤدي نفس وظائف مثيله الغالي
الثمن، يدفعه للشعور بالفقر، وهذه الحالة متفشية للغاية؛ لأن الفقر هنا
تحول إلى فقر نفسي وليس فقرًا ماديًا؛ فالرغبات التي لا تتوقف، والتطلعات التي
لا تنتهي، وغياب الرضا، وثقافة المقارنة تدفع ذلك الإنسان للإحساس الدائم بالفقر،
وكما تقول الحكمة المنسوبة للفيلسوف القديم "سينكا": "الفقر لا
يأتي من انخفاض الثروة، بل من تضاعف الرغبات".
وختامًا
أخي الكريم، قد يكون من المفيد أن نستحضر إجابة
جلال الدين الرومي حكمة، فعندما سُئل كيف تبرد النفس، قال: "تبرد نارُ
النفس بالاستغناء.. استغنِ يا ولدي فمن تركَ ملك".
موضوعات
ذات صلة:
ما هي أخلاق الفقر وتأثيرها على المجتمع؟