تدعو على ابنها أمام الكعبة.. لماذا؟ وكيف؟(2)

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
  • القسم : العائلة الكبيرة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 230
  • رقم الاستشارة : 3770
06/01/2026

التأثير المجتمعي للدعاء بالسوء أمام الكعبة على العلاقات الأسرية والاجتماعية. مع انتشار ظاهرة دعاء الأمهات على أبنائهن وزوجاتهم أمام الكعبة، ظهرت مخاوف بشأن التأثيرات التي قد تطال المجتمع ككل، وليس الأفراد المعنيين فقط. ما هي التأثيرات المجتمعية الفورية لهذا التصرف على الروابط الأسرية والاجتماعية في المجتمع؟ وكيف يمكن أن تتأثر العلاقات بين الأجيال المختلفة؟

ما هي التداعيات طويلة المدى على التماسك المجتمعي، وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تفكك العلاقات الاجتماعية على المدى البعيد؟ كيف يمكن أن يؤثر هذا التصرف على القيم الأسرية والثقة المتبادلة في المجتمع، وكيف يمكن أن تتغير النظرة إلى الأماكن المقدسة؟

ما هي الإجراءات والتوصيات المجتمعية والنفسية المقترحة للتخفيف من هذه التأثيرات وتعزيز الوحدة والرحمة في المجتمع؟ نرغب في فهم الأثر الشامل لهذا التصرف على المجتمع ككل، واستكشاف سبل تعزيز الروابط الاجتماعية والأسرية على المدى الطويل.

الإجابة 06/01/2026

أهلا وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.. تحدثنا من قبل أننا لا يمكن أن نطلق على مثل هذه الحوادث الفردية من الدعاء أمام الكاميرات على الأبناء مصطلح الظاهرة، ولكن هناك مؤشرات قوية تؤكد تنامي مشاعر الكراهية بين الحماة وكنّتها، كما أن هناك مؤشرات قوية على أن ثقافة القسوة وثقافة الفضيحة أصبحت تمثل رقمًا مهمًّا في حياتنا الاجتماعية مما زاد الأمور الاجتماعية تعقيدًا.. هذا ما تناولنا في استشارة دعاء الأم على ابنها أمام الكعبة.. لماذا؟ وكيف؟(1).

 

واليوم إن شاء الله نناقش تأثير ذلك على العلاقة بين الأجيال وأثر ذلك على الترابط الأسري وعلى التماسك المجتمعي، وأيضا نتحدث إن شاء الله عن بعض المقترحات التي قد تخفف من هذا الاحتقان.

 

الرابطة الأسرية

 

من أهم نقاط بنائنا الاجتماعي كدول عربية ودول مسلمة أن مجتمعاتنا تعتمد في وحدات بنائها على الأسرة وليس على الفرد، فنحن مجتمع يقوم على الأسرة كوحدة بنائية، بينما المجتمعات الغربية تقوم وحداتها البنائية على الفرد؛ لذلك يطلق عليها مجتمعات فردانية.

 

ولأن الفرد الوحيد لا يمكن له الحياة فهناك مؤسسات اجتماعية كبيرة يقوم بها المجتمع المدني أو حتى الدول كي تلبي للفرد بعض الخدمات التي تكاد تكون حياته مستحيلة دونها، وعلى سبيل المثال مؤسسات كدار العجائز والمسنين هي أمر لا يمكن تصور المجتمع الفرداني دونه، فالفرد العاجز لا يستطيع أن يحيا وحيدًا.

 

وهناك في بعض الدول الغربية نظام يتطوع فيه الشباب لرعاية المسنين دون مقابل مادي، ولكن تحسب هذه الساعات للشاب المتطوع حتى إذا وصل لأرذل العمر تكفلت الدولة بإرسال متطوع شاب له يقضي معه نفس عدد الساعات، والسبب الواضح وراء ذلك هو تآكل النظام الأسري عندهم لأسباب عديدة ليس هنا مجال مناقشتها.

 

بينما في بلادنا تمتعت الأسرة بقوة كبيرة وكانت العائلة الممتدة التي يعيش فيها الأجداد والأولاد والأحفاد فيها بانسجام هي الأصل، وأحيانًا كانت هذه الأسرة يعيش فيها 4 أجيال معًا في وحدة بنائية بالغة القوة، ولكن لأسباب عديدة بدأت العائلة الممتدة في التراجع لصالح الأسرة النووية التي لا يتواجد فيها إلا الآباء والأبناء فقط.. توسع المدن مع ما تحمله من نظام معماري (شقة صغيرة) كان أحد الأسباب.. التحولات الاقتصادية وما صاحبها من خروج النساء لسوق العمل المأجور كان سببًا.. العولمة وما صاحبها من تغيرات فكرية وقيمية كانت سببًا.. تغيرات قوانين الأحوال الشخصية كانت رافدًا جديدًا للتغيير جعلت حتى هذه الأسرة النووية مهددة بالتفكك.

 

لكن لا يمكن أن نغفل أن نظام العائلة الممتدة كنظام اجتماعي كان فيه مساوئ وكان فيه مظالم، وأي نظام لا يقوم بإصلاح نفسه يتآكل، وأي نظام لا يقوم على أسس عادلة فإنه يحمل بذور انهياره من داخله.. فبيت فيه سيدة مسنة أو رجل عاجز كان يجب على الجميع المشاركة في خدمته خاصة أبناءه المباشرين بحيث يكون دور زوجة الابن المساعدة لا أن يتم تحميل هذه الزوجة بكامل المسئولية باعتبارها مهمة منزلية.

 

وإذا كانت خدمة رجل أو سيدة عاجزة أمر مفهوم إنسانيًّا فإن خدمة رجل أو سيدة يتمتعون بكامل الصحة والعافية وليس لديهم إلا أمراض المسنين العادية المزمنة التي لا تؤثر على نشاطهم اليومي مسألة فيها نظر، فأن يقوم فرد واحد (زوجة الابن) بخدمة عائلة بكاملها يتمتع أفرادها بالصحة والعافية أمر فيه ظلم شديد، وفي بعض العائلات تقوم هذه المرأة بالعمل المأجور خارج البيت وتقدم هذا المال للزوج أو للعائلة بالإضافة لعملها داخل البيت لخدمة الجميع، وهو أمر لا يمكن وصفه إلا بالجنوني تمامًا.

 

ومن ثم بدأت النساء بالرفض والتمرد على القيام بهذا الدور، وبدأت العائلات الممتدة بالتفكك بسبب عوامل الضعف الكامنة التي لم يتم إصلاحها قبل أن نقول إن ذلك حدث بفعل الثقافة الوافدة التي تدعو للفردانية والتي تقول للمرأة أنت أولاً.

 

التغير الاجتماعي داخل الأسرة بدأ لأسباب منطقية متعلقة بالعدالة، لكن في كثير من الأحيان حدث رد فعل عكسي شديد شاركت فيه الثقافة الوافدة التي فرضت نفسها بشكل ناعم من خلال الدراما ومنصات التواصل ومؤسسات المجتمع المدني وبشكل خشن من خلال القوانين.

 

صراع الأجيال

 

انحصر نظام العائلة الممتدة في بعض المناطق الريفية والقبلية مع وصمه بأنه نظام سيئ السمعة ولم تعد امرأة شابة ترغب في أن تنضم له طواعية، ولولا أن النمط المعماري في هذه المناطق يفرض هذا النظام ويحرسه كبار السن (بعضهم يعتبر خروج الابن من هذا النمط بمثابة قطيعة وهجر) ما قبلته النساء الشابات.

 

المشكلة أن هذا أدى لصراع حقيقي بين الأجيال، فالأجيال الكبيرة ترى في الشباب نزعة فردية أنانية وعدم قدرة على العطاء، والشباب يرى في كبار السن قيودًا وتسلطًا وفضولاً وتدخلاً في الشئون الخاصة.. الصراع الأشد والفجوة الأكبر كانت بين النساء؛ لذلك اشتد الصراع بين الحماة وزوجة الابن كما شرحت في الجزء الأول من هذه الاستشارة.

 

وانعكس هذا الصراع على الأطفال فاتهمت الجدة زوجة الابن بإبعاد الأحفاد عنها، واتهمت زوجة الابن حماتها بأنها تتدخل بشكل سلبي في طريقتها في تربيتها لأبنائها، وأصبح الأحفاد كما الأبناء مادة للصراع والاستقطاب.. هذا الصراع تدور رحاه داخل العائلة الممتدة وخارجها وأحدث حالة من سوء الظن التي قد تصل للقطيعة وقد تصل لما رأيناه في المقطع المصور من دعاء حارق تصبه والدة الزوج على ابنها وزوجته بل وعلى حفيدها أيضًا.

 

استبدال الدعاء بالسوء بدلاً من الدعاء بالهداية يفقد العائلة المدد الروحي ويدخلها في نفق مظلم يسيطر فيه الصراع والكيد والتناحر، ويستخدم كل طرف أدوات قوته حتى الدعاء يتحول لأداة للسيطرة والانتقام ويفقده جوهره المرتبط بالرحمة والتآلف، ونشر هذا على منصات التواصل يقدم نموذجًا بالغ السوء يمكن الاقتداء به من أخريات، وإذا كان النموذج الأول وقع عليه ظلم شديد قد يبرر الدعاء بالسوء، فالنموذج الثاني قد لا يكون كذلك.

 

والنموذج الثالث قد يحول الدعاء لأداة تلاعب وسيطرة.. حتى حرمة الأماكن المقدسة تفقد هيبتها في النفوس، وبدلاً من ذهاب الفرد للعمرة حتى يشعر بالقرب من الله ويعفو عمن ظلمه ويطلب الهداية لأبنائه يتحول الهدف أن أذهب إلى العمرة حتى أنتقم ممن ظلمني بالدعاء عليه، وبدلاً من أن تكون رحلة العمرة رحلة للسلام الروحي تتحول لرحلة لتفريغ الانفعالات وأداة للانتقام.

 

في الجزء الثالث من هذه الاستشارة نشرح كيف يمكن أن نعيد أجواء الألفة العائلية قبل أن تبتلعنا كارثة الفردانية.

 

روابط ذات صلة:

دعاء الأم على أبنائها

أدعو على من ظلمني في رمضان.. هل من سبيل آخر للتشفي؟

دعاء الأم على ابنها وزوجته في جوف الكعبة

الرابط المختصر :