الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : العائلة الكبيرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
151 - رقم الاستشارة : 3691
28/12/2025
أختي لا تريد العمل وتعتمد عليا انا واخي أشعر بثقل كبير في قلبي كلما فكرت في أختي تلك المرأة التي نذرت حياتها لخدمة القرآن تعلما وتعليما بإخلاص نادر وصبر عظيم بلغت من العمر ثلاثين سنة ولم تتزوج ورضيت أن يكون طريقها هو طريق القرآن طريقا مشرفا لا شك في ذلك لكنه طريق شاق مليء بالتضحيات التي لا يراها كثير من الناس.
ما يؤلمني ليس اختيارها للقرآن فذلك شرف لنا جميعا وإنما يؤلمني حالها المادي إذ لا تتقاضى إلا مبلغا سنويا لا يتجاوز 500 دولار وهو مبلغ لا يكفي لسد أبسط متطلبات الحياة لا اليوم ولا في المستقبل أفكر فيها كثيرا كيف ستعيش كيف ستواجه المرض كيف ستؤمن نفسها إن غاب من يعينها.
هذه الأسئلة لا تفارقني في كل مرة أقترح عليها فكرة مشروع بسيط أو وسيلة مشروعة تزيد بها دخلها دون أن تبتعد عن القرآن يكون ردها دائما الرفض تقول إنها لا تريد شيئا من الدنيا ولا تريد أن تعتمد علي أو على أخي قد يبدو هذا زهدا وقوة نفس لكنه بالنسبة لي خوف مستتر من المستقبل أو ربما فهم قاس لمعنى التوكل.
أنا لا أطلب منها أن تترك القرآن ولا أن تنشغل بالدنيا ولا أن تغير طريقها النبيل كل ما أريده هو أن تكون آمنة مستقلة مكرمة لا تحتاج لأحد ولا يثقلها السؤال ولا تجد نفسها يوما مضطرة للاعتماد على غيرها.
أحيانا أسأل نفسي هل ظلمتها عندما طلبت منها أن تفكر في نفسها هل أخطأت عندما أردت لها الأمان هل أصبح الحرص ظلما أم أن الصمت هو الظلم الحقيقي أنا أخاف عليها من الغد من زمن لا نكون فيه نحن إلى جانبها من عالم لا يرحم من لا يملك سندا ماديا.
أخاف أن يساء فهم موقفي وكأني أعارض طريقها بينما الحقيقة أنني أريد حمايتها لا تغييرها هذه ليست شكوى ضدها بل شكوى من خوفي عليها من عجزي عن إقناعها بأن الأخذ بالأسباب لا يناقض التوكل وأن الاستقلال المادي لا ينتقص من الإخلاص وأن خادمة القرآن أولى الناس بأن تكرم نفسها قبل أن تنتظر من يكرمها.
إن كنت قد أخطأت فخطئي نابع من الحب وإن كنت قد قسوت فقسوتي من خوفي وكل ما أتمناه أن يأتي يوم تفهم فيه أن طلبي لم يكن ظلما بل كان دعاء بصوت عال لمستقبل أكثر أمانا لها.
أختي الكريمة، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.. سعدت جدًّا برسالتك وباهتمامك بأختك وقلقك عليها.. الحقيقة أنني سعدت بعائلتك كلها بك أنت وأختك وأخيك زادكم الله حبًّا وألفة وودًّا.
إجابتي عن سؤالك أنك لم تخطئي في حديثك مع أختك، فكما ذكرت في رسالتك كان دافعك للحديث معها هو الحب والخوف عليها.. أنت تفكرين في طريقة تمنحين أختك بها الأمان، ولست أدري هل نصحتها بشيء من الحدة؟ هل دفعك الخوف عليها لتعنيفها حتى تتنبه؟ أرجو ألا يكون هذا ما حدث فهي بحاجة للون من الحوار الإيماني العميق الذي لا يعتمد خطاب التخويف من المستقبل.
طريق القرآن
أختي الغالية، طريق القرآن هو طريق الحياة، وعندما سُئلت السيدة عائشة عن خلق النبي ﷺ قالت: "كان خلقه القرآن".
وكان النبي ﷺ متزوجًا مهتمًا بتفاصيل حياته الزوجية، وكان هو المعلم الأول للقرآن الكريم وكان يراجعه مع جبريل عليه السلام، وكان يعلم الناس أمور دينهم ويفتيهم فيما يواجهون، وكان يضع الخطط الدعوية، وكان يخطط للمعارك الحربية ويقودها، وكان يقضي بين الناس وكان.. وكان.. وكان لنا فيه أسوة حسنة.
بعد ذلك اهتم بعض العلماء بجانب واحد، فبعضهم اهتم بالفقه مثلاً، وبعضهم اهتم بالحديث، وبعضهم اهتم بالأخلاق وأعمال القلوب، وهناك تيار في التراث الإسلامي يطلق عليه التصوف السني كتصوف الجنيد رحمه الله.. هذا التيار يميل للزهد الشديد دون أن يتجاوز حدود السنة ولكنه يصل للحد الأقصى المسموح به، ولعل أختك تميل لهذا الاتجاه بشكل عفوي غير مقصود وهو أمر لا يمكن أن نعيبه عليها فهي تبذل نفسها في سبيل تعلم القرآن وتعليمه وتتوكل على الله.. اليوم سخرك الله أنت وأخاك لها والغد يتكفل بها الله عز وجل (لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله؛ لرزقكم كما يرزق الطيرَ: تغدوا خماصًا وتروح بطانًا)، وأختك غير متواكلة هي تغدو وتروح ولكنه عمل يحمل رسالة عظيمة ومليئة بالبركة.
لا أريد للخوف والقلق أن يستوطنا قلبك تجاه أختك، وثقي أن الله لن يضيعها وأنها بحسن توكلها سوف تتيسير كل أمورها.
مبررات سلوكها
أختي الكريمة، عندما ناقشت أختك حول هذه القضية قالت لك: (إنها لا تريد شيئًا من الدنيا ولا تريد أن تعتمد عليك أو على أخيك)، وهذا يؤكد فكرة أن أختك تميل لتوجه الزهد لولا أنها بالفعل تحصل على بعض المساندة المادية منك ومن أخيك.
أما تفسيرك أنت لموقفها الذي قلت عنه (بالنسبة لي خوف مستتر من المستقبل أو ربما فهم قاس لمعنى التوكل) فلا أتفق معك أن أختك لديها خوف من المستقبل فهذا يتناقض تمامًا مع مشاعر حسن التوكل والزهد في الدنيا إلا إذا كنت تقصدين أنها خائفة من الفشل.. خائفة من الفشل في الزواج.. خائفة من الفشل في العمل فتغطي ذلك بقشرة سميكة من الزهد، وغالبا يكون ذلك بشكل غير واع ولكن لا دليل على ذلك.. أما جملتك (فهم قاس لمعنى التوكل) فأيضًا مسألة فيها نظر فالفتاة لم تجلس في البيت لا تفعل شيئًا وتريد السماء أن تمطر عليها ذهبًا وفضة.
حوار عميق
أختي الغالية، بحسب الشريعة الإسلامية فأختك ليست مطالبة بالإنفاق على نفسها ومن واجب الأخ أن ينفق على أخته، لكن من خلال رسالتك شعرت أنك تعيشين في بلاد الغرب وأن الأمر لن يستقيم هكذا أو أنك خائفة أن تحول الظروف بوجه عام دون أن تقدما لها المساعدة، لذلك كنت تريدين أن تكون داخل دائرة أمان وأن توازن بين عملها الدعوي وبين العمل المأجور الذي يكفل لها الحياة الكريمة، وهذا أمر مشروع ولا شك ولا يتعارض مع مفهوم التوكل، بل إن الإنسان المسلم يدعو إلى الله بصدقه وأمانته وحسن خلقه في كل تعاملاته وأعماله وتجارته فيكون خلقه القرآن وليس مجرد معلم أو متعلم للقرآن..
لكن هذه المعاني بحاجة إلى شخص غيرك يتحاور مع أختك فيها فهي بحاجة لحوار على مستوى عميق يلامس جذور الروح ويمس شغاف القلب.. حوار إيماني يتفهم طريقتها في التفكير ويناقشها بأدواتها حتى تصل لها رسالة أن السعي في أمور الدنيا قد يكون مزرعة رائعة للآخرة إن صدقت النوايا، وأن السعي نحو الرزق لا يتعارض مع التوكل بل يصدقه، وأن المال ليس مصدرًا للشرور بل هو باب للصدقة ودعم المحتاجين.. لذلك اسعي للبحث عن عالم دين أو عالمة دين لها أسلوب يصل للقلوب ويهز العقول ورتبي موعدًا للحوار والنقاش وفتح تلك الملفات الساخنة.
اسعي أيضًا في زواج أختك فهي لم تزل في الثلاثين من عمرها، وهذا هو العمر المعتاد للزواج الآن في كثير من المجتمعات، وإذا لم تكن قد قالت لك بشكل صريح إنها ترفض الزواج فهذا يعني أنها في انتظار شاب متدين حافظ لكتاب الله أو عالم أو طالب علم أو صاحب خلق ودين يبحث عن فتاة متدينة مثلها.. تحدثي مع المسئولين في المساجد أو المراكز الإسلامية وادعي الله أن يفتح لها أبواب رزقه ورحمته، وإن شاء الله تعالى تجدين من يستحقها ويسعد قلبها.. مرة أخرى سعدت بك وبرسالتك، وليت كل الأخوات مثلك، ولا تترددي في الكتابة لنا مرة أخرى.
روابط ذات صلة:
كيف تتخلص من قلق الرزق والمستقبل؟