كيف أوفِّق بين البر بوالدتي وعدم ظلم زوجتي؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : العائلة الكبيرة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 629
  • رقم الاستشارة : 3165
03/11/2025

زوجتي ترفض أن تسكن والدتي معنا، وهي ليس لها غيري، وتشكو من طباعها الصعبة. أعيش تمزّقًا بين البرّ بالوالدة، والعدل مع زوجتي.

ما الموقف الشرعي في حال تعارض الحقوق؟ وكيف أكون بارًّا بوالدتي دون ظلم لزوجتي؟

الإجابة 03/11/2025

مرحبًا بك أيها الأخ الفاضل، وجزاك الله خيرًا على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأدعو الله أن يلهمك الصواب، وييسر أمرك، ويجمع بينك وبين زوجتك ووالدتك على خير ومحبة، وأن يرزقك برَّ والدتك والعدل مع زوجتك، وبعد...

 

فإن موقفك هذا يجسِّد أحد أصعب التحديات التي قد تواجه الرجل المسلم في حياته الزوجية والأسرية؛ فهو تمزق حقيقي بين واجب البر الأعظم بوالدتك التي لا سند لها بعد الله سواك، وواجب العدل الذي أمرك به الشرع تجاه زوجتك وشريكة حياتك.

 

ولكن ما يطمئنك هو أن الشريعة الإسلامية شريعة عدل وكمال، ولا يمكن أن تأمر بواجبين يتعارضان تعارضًا مطلقًا بحيث يؤدي القيام بأحدهما إلى ظلم الآخر؛ بل تُعلّمنا كيف نوازن ونرتب الحقوق.

 

أولوية حق الوالدين:

 

لقد قرن الله -سبحانه وتعالى- عبادته ببر الوالدين، وجعل حقهما مقدَّمًا على كثير من الحقوق، بعد حقه –تعالى- وحق نبيه. قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ﴾ [الإسراء: 23]. وبر الوالدين يكون بطاعتهما في المعروف، والإنفاق عليهما، وحسن صحبتهما، وتوفير كل سبل الراحة لهما؛ خصوصًا في كبرهما وحاجتهما. وكون والدتك ليس لها غيرك يزيد من عظم هذا الواجب عليك.

 

حق الزوجة في السكن المستقل:

 

في المقابل، لزوجتك حق شرعي أصيل، وهو السكن المستقل، ويجب أن يكون سكنًا آمنًا ومستقلًّا عن أهل الزوج، تأمن فيه على نفسها وخصوصيتها وحريتها في تدبير شؤون بيتها. وهذا الحق لا يسقط إلا برضاها التام. قال تعالى: ﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ﴾ [الطلاق: 6].

 

وإذا كانت طباع الوالدة صعبة، كما ذكرتَ، فمن حق الزوجة أن تشكو من ضرر يقع عليها، والشرع يرفع الضرر، والقاعدة الشرعية: «لا ضرر ولا ضرار».

 

وبناءً على هذا التعارض الظاهري، فإن الشرع يرى أنه إذا تعارض حق الوالدة في الرعاية والتكفُّل، مع حق الزوجة في السكن المستقل، فإن الشرع يوجب الوفاء بكلا الحقين، مع محاولة التوفيق بينهما قدر الإمكان.

 

كيف تبر والدتك دون أن تظلم زوجتك؟

 

أخي الحبيب، إنَّ هذا الموقف يتطلب منك أن تتحلى بحكمة سليمان وصبر أيوب –عليهما السلام- وأن تتخذ موقفًا يرضي الله ثم يرضي الطرفين قدر الطاقة، ويجب أن يكون الحلُّ عمليًّا وواقعيًّا.

 

* البحث عن سكن منفصل قريب للأم:

 

هذا هو الحل الأمثل من وجهة نظري؛ فإذا أمكنك، ابحث عن مسكن مستقل لوالدتك يكون قريبًا جدًّا من مسكنك مع زوجتك (في العمارة نفسها، أو في عمارة مجاورة، أو في الشارع نفسه، أو على الأقل في الحي نفسه).

 

بهذا الحل، تكون قد حققت لزوجتك حقها في الخصوصية، وفي الوقت نفسه تضمن لوالدتك أعلى درجات البر والرعاية اليومية؛ حيث يمكنك قضاء وقت كافٍ معها، والإشراف على طعامها ونظافتها وحاجياتها بشكل يومي ومباشر.

 

كما يمكنك تخصيص ميزانية للاستعانة بشخص موثوق (خادمة مقيمة أو بعض الوقت) لمساعدة الوالدة في شؤونها، وتخفيف الضغط عنك وعن زوجتك.

 

أما إذا كان السكن المستقل مستحيلًا لأسباب مادية أو غيرها، وأصرَّت الوالدة على السكن معك (أو أوجبت حالتها ذلك)، فإليك نصائح لإدارة هذا الموقف الصعب:

 

1. التفاهم العاطفي مع الزوجة:

 

عبِّر عن تقديرك لها ولحقوقها، واجلس معها جلسة صادقة وحميمة، واشرح لها عظم كرب والدتك وحاجتها الماسة إليك، وذكِّرها بأن هذا الموقف هو امتحان لإيمانكما وطريق لكسب الأجر المضاعف. وتعهد لها بأنك ستكون سدًّا منيعًا بينها وبين أي ضرر أو سوء معاملة يصدر من والدتك، وبأنك ستعمل على التخفيف عنها في الأعباء قدر الإمكان.

 

كما يجب أن تخصص لزوجتك ووالدتك في المسكن الذي يجمعكم مساحة خاصة لكل منهما (غرفة نوم مستقلة، حمام خاص قدر الإمكان...).

 

2. إدارة طباع الوالدة الصعبة:

 

تعامل مع طباع والدتك الصعبة من منطلق الصبر والعطف والنصح الرفيق، فإذا صدر منها ما يضر زوجتك، تكلَّم مع والدتك برفق ولين، واجعلها تشعر بمدى حبك وتقديرك لها، ثم بيِّن لها بعبارات لطيفة أن هذا الأمر يسبب حرجًا لك وضررًا لزوجتك.

 

وإياك أن تضع زوجتك في مواجهة مباشرة مع والدتك. كن أنت الحاجز والوسيط بينهما في أي خلاف، ولا تدعهما يتشاجران أبدًا أو يتناقشان بأسلوب حاد.

 

3. تذكير الوالدة والزوجة بالثواب:

 

الوالدة: بيِّن لها بأسلوب لطيف أن الرفق بزوجتك، والحفاظ على الهدوء في البيت، عمل صالح تؤجر عليه، ويرفع درجاتها في قلبك أنت وزوجتك، وعند الله تعالى، كما أنه يحفزهما على زيادة البر بها، والاجتهاد في رعايتها.

 

الزوجة: ذكِّرها بأن صبرها على والدتك هو من أعظم صور التعاون على البرِّ، وأنها مأجورة عند الله –تعالى- بما تفعله من خير مع والدتك، وأن وجود والدتك معكما فرصة كبيرة لنيل الأجر والثواب من الله؛ فضلًا عن كسب دعوات الأم لكما.

 

وختامًا أخي الكريم، الجأ إلى الله بالدعاء، وتوكل عليه في التوفيق بين زوجتك ووالدتك. واعلم أن برك بوالدتك ليس مجرد سكن؛ بل هو احتواء ورعاية، وعدلك مع زوجتك ليس مجرد أداء حقوق؛ بل هو رحمة ومودة وحماية.

 

أسأل الله أن يفتح عليك أبواب التوفيق، وأن يجعل لك من كل ضيق مخرجًا، وأن يلهمك الصبر والحكمة، وأن يحفظ لك والدتك ويُعين زوجتك على الصبر والاحتساب.

 

روابط ذات صلة:

بر الوالدة بين صعوبة المعاملة وضبط الانفعال

الرابط المختصر :