الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : العائلة الكبيرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
829 - رقم الاستشارة : 2919
12/10/2025
أريد أن أسأل سؤالًا، ويا ريت شخص متخصص في علم النفس أو علم الاجتماع يجيبني: لماذا تعتبر الأم ابنتها عدوة لها؟ يعني لو حدث خلاف بين ابنتها وابنها، تقف دائمًا مع الابن حتى لو كان مخطئًا؟ ولماذا تغضب الأم إذا كان زوج ابنتها المتزوجة لا ينفق عليها، بينما هي نفسها لا تنفق على ابنتها العزباء سوى الأكل والشرب؟ ولماذا تريد بعض الأمهات حرمان بناتهن من الميراث حتى لا يتصرف أزواجهن فيه؟ ماذا عن الفتيات العازبات؟ من سينفق عليهن إن حُرمن من الميراث؟
إخوتهم الذكور يستلفون منهن أموالًا ولا يعيدونها، أنا مثلًا سلفت أحد إخوتي مبلغ 3500 دينار أردني منذ عام 2007 ولم يُعدّه حتى الآن، وعندما أسأل أمي متى سيعيده، تقول إن لديه أسرة، وأنتِ لا، فما حاجتكِ للمال؟
أسأل هذا السؤال لأن أمي نفسها حُرمت من ميراث والديها، وكانت تدعو عليهم لأنهم حرموها الميراث، لكنها الآن تريد أن تُعيد الكرّة! فهل العلاقة بين الأم وبناتها تكون هكذا طبيعيًا؟ لأني لا أستطيع أن أتخيل علاقة أفضل من هذه بين أم وبناتها، علمًا أن عمري أربعون عامًا، وغير متزوجة.
أختي الكريمة، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات.
الأم يا عزيزتي هي إنسان نشأ على نحو معين وتربي بطريقة معينة.. عاش تجاربه الخاص ووقع عليه قدر من الابتلاء.. إنسان ابن بيئته وثقافته ورهن مشاعره وأفكاره.. له وعيه الخاص ولديه عقل باطن يشكل بعض ملامح سلوكه غير المفهومة.
يا غاليتي، تتنوع شخصيات الأمهات بتنوع البشر، فليس هناك قالب ثابت توضع فيه جميع الأمهات في كل زمان ومكان.. وهناك بالتأكيد نماذج لأمهات أفضل كثيرًا من والدتك، وهناك بالتأكيد نماذج لأمهات أسوأ كثيرًا من والدتك.. بل إن معيار الأفضلية نفسه ستجدينه نسبيًّا يختلف باختلاف الإنسان الذي يقيم العلاقة نفسها.
البنية النفسية
أختي العزيزة، أستطيع من خلال كلماتك عن والدتك أن أشعر أن بنيتها النفسية العميقة متضررة وبشدة، وأحد أسباب هذا الضرر هو ما تعرضت له من ظلم من عائلتها الذين حرموها الميراث حتى وصل الأمر بها للدعاء عليهم، ولكن ما حدث بعد ذلك أنها بدلا من كراهية الظلم ورفض الظلم قامت بإعادة إنتاجه وصناعته مستخدمة نفس الأدوات التي تم ظلمها بها مثل (ما حاجتك للمال؟ زوجك سيجتاح ميراثك...).
عقلها الباطن -يا ابنتي- يجعلها تردد نفس الكلمات التي سبق واستمعت إليها، ولكن من موقع القوة لا من موقع الضعف، فكأنها توجه الرسالة لذاتها أولاً عسى أن تُشفَى جراحها الداخلية. إذن هي من الناحية النفسية متضررة وبحاجة للدعم والعلاج، وهذا أمر بالتأكيد لا تملكين أدواته وربما حتى لا تستطيعي التعاطف لأن الظلم يقع عليك أنت بالفعل، ولكن يمكنك التفهم فهي ليست إنسانة شريرة ولكنها إنسانة مجروحة ترى في بناتها صورة لها مع اختلاف الزمن والمكان والأشخاص وقسوتها عليكن تحاول بها حل مشاكلها الداخلية وتخفيف التوتر داخلها.
لقد عانت الوالدة من الحرمان العاطفي لسنوات طويلة وعانت من التهميش كونها أنثى وهي تكره شعورها بالضعف وتسعى للاستقواء من خلال أبنائها الذكور الذين ترى في دعمهم (حتى لو بالظلم) دعمًا لذاتها، لقد كانت تتمنى أن تكون ذكرًا على نحو ما، ومن خلال ابنها الذكر تحاول تعويض ذلك بينما البنات هن انعكاس لذاتها الضعيفة التي تكرهها.
السياق الاجتماعي
أما من ناحية البيئة الاجتماعية فثقافة تفضيل الذكور هي الثقافة السائدة، ربما ليست بنفس الحدة التي كانت موجودة أيام الجاهلية ولكنها موجودة بشكل ملحوظ في كثير من البيئات ومنها البيئة التي نشأت وترعرت فيها والدتك.. فالولد سند.. الولد امتداد.. الولد قوة.. الولد يحمل اسم العائلة.. الولد مصدر الفخر والمباهاة وبالتالي فالولد ذنبه مغفور وعلى الأقل ذنبه يلتمس له العذر.. الولد له الكثير من الحقوق التي تتجاوز ما فرضته له الشريعة.. الولد ينظر لاحتياجاته بتقدير..
أما الفتاة فهي العكس من ذلك كله حاجتها تهمش وذنوبها تضخم وحقوقها عليها أن تتنازل عنها بسماحة وطيب نفس، وهكذا صنعت هذه البيئة وهذه الأفكار توجهات والدتك ولم تحاول هي تمحيص تلك الأفكار بل اعتنقتها تماما وتعاملت معكم على أساسها باعتبار أنها حقائق وجودية، وبالتالي هي لا تفهم شعورك بالغضب أو الظلم حتى أنها تستنكر مثلا أنك تطالبين بحقك في المال وتسألك ما حاجتك له؟ هي لا تنظر لحقوقك بل تنظر لحاجتك وهي تنظر لحاجتك من منظورها الذي بناه المجتمع وغذته البيئة.
هذه المنظومة المجتمعية التي ترى في زوج الابنة مجرد رجل غريب بل وتراه كإنسان طامع ينبغي الحرص منه ومنعه عن الطمع بحرمان الابنة التي هي زوجته من الميراث، فالمال هو حق الذكور من أبناء العائلة ولكنهم يصطدمون بالحقوق الشرعية التي تمنح الإناث أيضًا فيتم الالتفاف حول الأمر بأنهن يمنعن أزواج البنات لا البنات أنفسهن، ويصبح زوج الابنة تحت المجهر لماذا لا يشتري كذا وكذا للابنة فيوضع في زواية المتهم.. زاوية البخل والطمع وبالتالي تتعزز رؤية منع البنت من الميراث.. وأيضًا يتم وضعه كعدو أو كظالم، أما الابنة كبديل لعائلتها التي توقع عليها الظلم بالفعل.
والبنت العزباء ليست أفضل حالاً من البنت المتزوجة وكأنها بغياب الرجل من حياتها غابت كل الاحتياجات الأخرى، وبالتالي يتم التقتير عليها أو الالتفاف لأخذ مالها.
الجرح الأمومي
أختي الغالية، أنت تعانين مما يطلق عليه "الجرح الأمومي" فالعلاقة العميقة مع الأم متضررة.. الأم بما تمثلة من مشاعر الحب العميقة بما يحمله وجودها من أمان وقيمة.. الأم هي أول من منحتنا إحساس الهوية الخاص والتي من المفترض أن تكون علاقتنا بها واحتياجنا لها يشبه الحبل السري الذي ربطنا بها ذات يوم، فعندما يأتي الجرح منها فلاشك أنه يكون مؤلمًا للغاية وجارحًا بشدة ويستمر في صورة ألم عاطفي مزمن هو ما تشعرين به الآن.. لقد استفضت في شرح الدوافع النفسية والأبعاد المجتمعية التي جعلت والدتك على هذا النحو المؤلم.
يا ابنتي، أنها تشبه شظية محطمة من الزجاج جارحة حد النزف ولكنها مسكينة محطمة متشظية تستحق الشفقة لا الغضب.
يا أختي الكريمة، أنا لا ألومك على شعورك بالألم مطلقًا فهو شعور طبيعي للغاية خاصة أن مصدره هو هذا الجرح الأمومي، ولا أريدك أن تلومي نفسك على الشعور بالألم، ولا تحاولي كبته داخلك، بل اقبلي كجزء لا يتجزء من واقع الحياة وما قد تحمله من ابتلاء صعب لكن يمكن التعايش معه.. حدثي نفسك عن مشاعرك أو اكتبيها كي تقومي بعملية تفريغ انفعالي لها.. اكتبي أنا أشعر بالحزن لأن أمي لم تدافع عن حقي.. أنا أشعر بالوحدة لأن أمي لا تفهمني ولا أستطيع الحوار معها وهكذا.
اكتبي أيضا عن الضغوط التي تعرضت لها والدتك في طفولتها وشبابها فهذا يزيد مساحة التفهم داخلك ويقلل من المشاعر السلبية تجاهها.
أريدك يا غاليتي أن تبحثي عن بديل عاطفي آمن يبدأ ببناء أم داخلية بديلة أم ذاتية فتقومي برعاية نفسك ودعمها وتقدمي لها الحنان الخالص والحب غير المشروط، البديل العاطفي الآمن يمر عبر الصديقات أو القريبات الأقرب لقلبك، بالطبع لن يكونوا مثاليين فهذه طبيعة البشر، ولكن على الرغم من ذلك فسيشبعون بعض الاحتياجات العاطفية المهمة وسيمنحنونك الأنس.. النشاط التطوعي أيضا سيمنح حياتك قيمة عالية ويساعدك في بناء شبكة علاقات جديدة.
إن استمر شعورك بالحرمان العاطفي وتعاظم لديك شعور الضحية فبضع زيارات لمعالجة نفسية قد تساعدك كثيرًا.
أختي الكريمة، طالبي بحقك المالي من أخيك مباشرة دون وساطة والدتك، وليس في هذا عقوق لها في شيء، فلا يوجد تعارض بين البر والعدالة، وليس هناك علاقة بين رفض الظلم والعقوق.
أيضا مشاعرك النفسية الداخلية لا علاقة لها ببر والدتك واحترامها والتعامل معها بلطف دون أن يعني ذلك إهدار حقوقك، وهنا لابد من وضع حدود نفسية لك لا تسمحي لأحد بانتهاكها، على سبيل المثال أنصتي لوالدتك بأدب وهدوء، فإذا قالت لك ماذا ستفعلين بالمال؟ قولي لها هذا حقي الذي منحه لي الشرع وليس من حق أحد الاعتراض على شرع الله.
وأخيرًا أهمس في أذنك حاولي الاندماج في الحياة ولا تتوقفي طويلاً أمام الجرح الأمومي.. فكري في استثمار ما تبقى من مال.. فكري في المشاركة في الأنشطة التطوعية كما ذكرت لك من قبل.. املئي حياتك بالأنشطة وتطلعي للمستقبل ولا تعيشي أسيرة الماضي.. يسر الله أمرك وأسعد قلبك، وتابعيني بأخبارك.
روابط ذات صلة:
أمي ظالمة وتدعو عليَّ.. كيف أبرُّها؟