الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
9 - رقم الاستشارة : 6075
07/10/2026
أنا أم لشاب عمره 22 عامًا. ابني يهتم جدًّا بكلام الناس عنه. إذا اشترى ملابس وظن أن أحدا لم يعجب بها يندم، وإذا نشر شيئًا على مواقع التواصل ولم يحصل على تفاعل يحذف المنشور، وإذا انتقده أحد يظل يفكر في كلامه أيامًا.
هو ليس ضعيفًا في الدراسة والعمل، لكن نفسيته تتأثر جدًّا بنظرة الآخرين. أخشى أن يصبح أسيرًا للناس.
عزيزتي
الأم، ابنك لا يحتاج إلى أن يسمع منك: "لا تهتم بالناس"؛ لأن هذه الجملة
أسهل في قولها من تطبيقها. الإنسان بطبيعته اجتماعي، ورغبة القبول جزء من البناء
النفسي.
لكن
المشكلة تبدأ عندما يتحول رأي الآخرين من معلومة إلى حكم نهائي على الذات. قد يكون
ابنك يعتمد بدرجة كبيرة على External Validation وهو الاستحسان الخارجي، أي أنه يشعر بقيمته
عندما تأتيه إشارات إيجابية من الآخرين.
ومن
علامات ذلك أن المزاج يصبح مرتبطًا بالإعجابات، التعليقات، المدح، أو حتى نظرة شخص
واحد.
هنا
لا نحتاج إلى عزله عن الناس، وإنما إلى بناء تقييمه الداخلي: أن يسأل نفسه
"هل أنا راض عن اختياري؟ هل يتفق مع قيمي؟ هل بذلت جهدي؟".
ومن
المهم أن تراجعي معه طريقة حديثه عن نفسه. إذا قال: "الناس شايفاني
فاشل"، اسأليه: "من هم الناس؟ وهل قالوا ذلك فعلاً؟ وهل رأي شخص واحد
يساوي حقيقة عنك؟". هذه ليست مجادلة، وإنما تدريب على إعادة البناء المعرفي.
كذلك،
لا تحاولي طمأنته في كل مرة. إذا قال: "هل شكلي جيد؟"، وأجبته عشر مرات،
قد يتحول السؤال إلى طلب طمأنة متكرر. الأفضل أن تسأليه: "أنت كيف شايف
نفسك؟"، ومع الوقت سيتعلم تقييم نفسه.
ومن
المفيد أيضًا تقليل التعرض المستمر للمقارنة الرقمية؛ لأن وسائل التواصل تعتمد على
المقارنة الاجتماعية، والإنسان غالبًا يقارن حياته اليومية بالصورة المنتقاة من
حياة الآخرين.
لكن
في نفس الوقت لا تحولي الهاتف إلى عدو. علميه استخدامه بوعي: ليس كل ما ينشره
الآخرون حقيقة كاملة، وليس كل ما يحظى بالتفاعل أكثر قيمة.
وإذا
حذف منشورًا لأنه لم يحصل على إعجاب، لا تسخري منه. اسأليه: "هل كنت مقتنعًا
بالمنشور قبل أن تنشره؟ إذا نعم، فما الذي تغير؟". هذا السؤال يعيد مركز
القرار إليه.
ومن
الناحية الأسرية، انتبهي إلى المدح نفسه. بعض الأسر تمدح أبناءها كثيرًا، لكن
بطريقة تربط القيمة بالإنجاز: "أنت أذكى واحد"، "أنت لازم تكون
الأول". فيكبر الشاب وهو يخشى فقدان الصورة المثالية.
الأفضل
هو مدح الصفات والجهد والقيم، مثل: "أعجبني أنك كنت صادقًا"،
"أعجبني أنك تحملت المسؤولية"، "أعجبني أنك راجعت قرارك".
وهذا يساعد على بناء Stable Self Esteem تقدير ذات مستقر.
أكدي
له على معنى قول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
وهذه الآية تضع معيارًا مختلفًا تمامًا عن مقاييس الناس المتغيرة. قيمة الإنسان
ليست بعدد من أعجبوا به.
كما
أن حديث النبي ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" يلفت النظر إلى الداخل، إلى
القصد والنية، لا إلى التصفيق الخارجي.
ولكن
كوني واقعية.. فلن يصبح ابنك في يوم واحد غير مكترث بآراء الناس. الهدف ليس إلغاء
الحس الاجتماعي، بل الوصول إلى توازن: يسمع رأي الآخرين، يستفيد منه إن كان
صحيحًا، ثم يقرر وفق قيمه وعقله.
أما
وإذا أصبح التفكير في تقييم الناس يعطل حياته أو يسبب قلقًا شديدًا مستمرًا؛
فالمساندة النفسية المتخصصة قد تساعده على بناء تقدير ذات أكثر استقرارًا.
همسة
أخيرة:
نحن
لا نربي أبناءنا على ألا يسمعوا الناس، بل على ألا يسلموا مفاتيح قيمتهم لكل رأي
عابر.
روابط
ذات صلة:
مواقع التواصل أفقدتني الثقة بنفسي!