من صانع للمحتوى إلى أسير للمنصة.. ما العمل؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : الدعوة الإلكترونية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 14
  • رقم الاستشارة : 5311
12/07/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا شاب أعمل في مجال صناعة المحتوى الدعويّ عبر منصّات التواصل الاجتماعي، وقد بدأت رحلتي بنية صادقة -أحسبها كذلك ولا أزكي نفسي على الله- لنشر الخير وتذكير الناس بالله تعالى، لكنني أجد نفسي اليوم أمام تحديات لم أكن أتوقعها.

فقد أصبحت المنصات الرقمية قائمة على الأرقام والمشاهدات وسرعة الانتشار، وأشعر أحيانًا بأنَّني أقع في حيرة بين تقديم المحتوى الرصين الذي قد لا يلقى رواجًا كبيرًا، وبين المحتوى السريع الذي يجذب المتابعين لكنه قد يفتقر إلى العمق.

كما أنَّني أخشى أن تتحوَّل الدعوة إلى منافسة خفية على الشهرة، أو أن أقيس نجاحي بعدد الإعجابات والتفاعلات، حتى أصبحت أراجع هاتفي باستمرار لأرى حجم الانتشار والتعليقات. فكيف يمكن للداعية الإلكتروني أن يحافظ على إخلاصه في هذا الفضاء المفتوح؟ وكيف يوازن بين جودة الرسالة وجاذبية الوسيلة؟ وما الضوابط التي ينبغي أن تحكم حضوره الرقمي حتى يكون مؤثرًا دون أن يفقد رسالته؟

الإجابة 12/07/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها المبارك، وبارك في حرصك على مراجعة نيتك قبل مراجعة إحصاءات منصاتك؛ فإن هذا السؤال في حد ذاته علامة خير ويلامس واقع شريحة كبيرة من الدعاة والمؤثرين؛ لأن أخطر ما يواجه العاملين في الحقول الدعوية ليس ضعف الوسائل، وإنما غفلة القلوب.

 

إن الدعوة عبر الوسائط الرقمية من أعظم ميادين الخير في عصرنا؛ فهي تبلغ الآفاق في لحظات، وتصل إلى القريب والبعيد، وقد يسوق الله بها الهداية لعباد لم يكن الوصول إليهم متاحًا بوسائل الأمس. غير أن اتساع الميدان يستلزم زيادة اليقظة؛ لأن أبواب الرياء الخفي، والاستعجال، وطلب القبول عند الخلق، قد تتسلل إلى النفوس من حيث لا يشعر الإنسان.

 

وأول ما ينبغي أن يعتني به الداعية الإلكتروني هو تجديد النية بصورة مستمرة؛ فالإخلاص ليس قرارًا يُتخذ مرة واحدة، بل عبادة تحتاج إلى مراجعة دائمة. وكان السلف يخافون على أنفسهم من فساد النيات رغم عظيم أعمالهم. فاسأل نفسك بين الحين والآخر: لو قلّ عدد المتابعين، هل سأستمر في نشر الخير؟ ولو لم يثنِ عليّ أحد، هل سأواصل الطريق؟ فإن كان الجواب نعم، فاحمد الله وسلْه الثبات.

 

كما ينبغي أن يدرك الداعية أن الانتشار ليس هو معيار النجاح الوحيد؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]. وليس كل واسع الانتشار نافعًا، كما أن كثيرًا من الأعمال العظيمة بدأت صغيرة ثم بارك الله فيها بسبب الصدق والإتقان.

 

ومع ذلك، فإن العناية بجاذبية الطرح لا تتعارض مع الإخلاص، بل هي من حسن البلاغ إذا انضبطت بالضوابط الشرعية. فقد كان النبي ﷺ يخاطب الناس بما يفهمون، ويختار الأسلوب المناسب لكل مقام، ويكرر الكلمة أحيانًا لتستقر في النفوس. فالمطلوب ليس أن نهجر الوسائل الحديثة، بل أن نوظفها توظيفًا رشيدًا.

 

ومن المهم أيضًا أن يضع الداعية لنفسه ميثاقًا أخلاقيًّا يحكم نشاطه الرقمي؛ فيتحرى صحة المعلومات قبل نشرها، ويتثبت من الأحاديث النبوية، ويتجنب الإثارة القائمة على التخويف المبالغ فيه أو تضخيم الأحداث لأجل زيادة المشاهدات. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: 6).

 

ومن الضوابط المهمة ألا يتحول الداعية إلى أسير للمنصة؛ فبعض صناع المحتوى يبدأ خادمًا للرسالة، ثم يصبح خادمًا للخوارزميات؛ فينشر ما يريده الجمهور لا ما يحتاج إليه الجمهور. والداعية الحكيم يوازن بين الأمرين؛ فيقدم الحق بأسلوب حسن، دون أن يفرط في ثوابته أو يتنازل عن أمانته العلمية.

 

كما أن من الحكمة تخصيص أوقات للانقطاع عن العالم الرقمي، والانشغال بالعبادة وطلب العلم والتواصل الأسري؛ لأن من يغذي الآخرين يحتاج إلى أن يغذي قلبه هو أيضًا. فالقلب الذي لا يتزود من القرآن والذكر والخلوة بالله قد يجف عطاؤه ولو كثرت منشوراته.

 

وأوصيك بأن يكون لك رصيد من الأعمال الخفية لا يعلمها أحد؛ من صدقة، أو قيام ليل، أو دعاء للمسلمين، فإن الأعمال السرية من أعظم ما يحفظ الله به إخلاص العبد في أعماله العلنية.

 

وأنصحك ختامًا بما يأتي:

 

• اجعل معيار النجاح: صدق الرسالة قبل كثرة الانتشار.

 

• راجع نيتك دوريًّا، ولا تستسلم لفتنة الأرقام.

 

• لا تنشر حديثًا أو فتوى قبل التثبت من صحتها.

 

• نوّع أساليب العرض، وثبّت الأصول والمبادئ.

 

• احرص على وجود أعمال صالحة خفية بينك وبين الله.

 

ونسأل الله تعالى أن يجعلك مباركًا أينما كنت، وأن ينفع بك العباد والبلاد، وأن يرزقك الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل ما تنشره نوراً لك لا عليك، وهداية للناس إلى يوم الدين.

 

روابط ذات صلة:

كيف تتعامل الداعية مع المقارنات والإحباط في وسائل التواصل؟

التحديات الدعوية في التعامل مع الذكاء الاصطناعي والمحتوى السريع

بين سرعة المحتوى وعمق الرسالة

الدعوة في زمن المحتوى السريع والسطحي

كيف تتجنب مقدمة محتوى دعوي الرياء والضغوط الرقمية؟

الرابط المختصر :